فهرس الكتاب
والمعنى: إنْ تَرَيْنِي كما ذَكَرَ فإنِّي لَحَلِيفُ الصبرِ؛ أيْ: مُلازِمُهُ، في حالِ كوْنِي ألْبَسُ سِلاحَهُ على قَلْبٍ مُمَاثِلٍ لقلبِ ولدِ الذئبِ الذي أُمُّهُ ضَبُعٌ، وناهيكَ بقُوَّتِهِ وجُرْأَتِهِ، وأفعلُ الحزمَ في الأمورِ، وأحتاطُ فيها، فلا تفريطَ عندي ولا إضاعةَ. (14 / آ) .
51 -وأُعْدِمُ أحيانًا وأَغْنَى وإِنَّما يَنَالُ الغِنَى ذُو البُعْدَةِ المُتَبَذِّلُ
الإعدامُ: الافتقارُ، وأغْنَى بالفتحِ: مضارعُ غَنِيَ بالكسرِ، بمعنى استغنى. والبُعْدَةُ، بالضمِّ كالرُّحْلةِ: السَّفْرَةُ. والمُتَبَذِّلُ: الذي يتكلَّفُ ابتذالَ نفسِهِ؛ أي: امتهانَهَا.
يقولُ: أفعلُ الحزمَ، وأفْتَقِرُ أزمنةً من الدهرِ، وأستغْنِي كذلكَ، وما يُدْرِكُ الغِنَى إلاَّ صاحبُ السَّفَرِ الذي يتكَلَّفُ امتهانَ نفسِهِ بالاغترابِ عن الأهلِ، وقطعِ المفاوزِ والقِفَارِ. وفي هذا الحثُّ على استعمالِ الأسفارِ، والتحذيرُ منْ مُلازمةِ القرارِ؛ فإنَّهُ عينُ الافتقارِ.
52 -فلا جَزِعٌ منْ خَلَّةٍ مُتَكَشِّفٌ ولا مَرِحٌ تحتَ الغِنَى أتخَيَّلُ
الجَزِعُ، بزِنَةِ الفَرِحِ: الذي جَزِعَ بالكسرِ؛ أيْ: ذهبَ صبرُهُ، والمصدرُ الجَزَعُ بالتحريكِ. والخَلَّةُ، بفتحِ الخاءِ المُعجمةِ: الحاجةُ والفقرُ. والمُتَكَشِّفُ: المُظهِرُ لحاجتِهِ، والمُتَخَيِّلُ: المُظْهِرُ الخُيَلاءَ.
قولُهُ: جَزِعٌ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أيْ: فلا أنا فاقدُ الصبرِ منْ أجْلِ احتياجِ عَرَضٍ لي، مُظْهِرٌ لاحتياجِي. ولا أنا مَرِحٌ، أيْ: ذُو مَرَحٍ ـ بالتحريكِ ـ أيْ: بَطَرٍ، وهوَ الخروجُ عمَّا تَقْتَضِيهِ النِّعَمُ من الشكرِ عليها لعدمِ احتمالِ النفسِ لذلكَ.
فقولُهُ: (تحتَ الغِنَى أتخَيَّلُ) منصوبٌ على الحالِ منْ"مَرَحٌ"، وهذهِ من الأحوالِ اللازمةِ للمدحِ.
والمعنى: ولسْتُ بمَرِحٍ في حالِ كوْنِي مُخْتَالًا تحتَ الغِنَى، أيْ: لأجْلِهِ، وهذا معنًى مَطْرُوقٌ جِدًّا.
وحاصِلُهُ أنَّ الدهرَ يَوْمَانِ: يومٌ لهُ، ويومٌ عليهِ. فإنْ كانَ عليهِ لمْ يَضْجَرْ، وإن كانَ لهُ لمْ يَبْطَرْ، لاعتيَادِهِ بكلٍّ منْ نعيمِهِ وبُؤْسِهِ، وسَعَتِهِ وضيقِهِ، وشدَّتِهِ ورخَائِهِ، مُهَذَّبٌ مُجَرَّبٌ كالجُذَيْلِ المُحَكَّكِ، والعُذَيْقِ المُرَجَّبِ.
53 -ولا تَزْدَهِي الأجْهَالُ حِلْمِي ولا أُرَى سَئُولًا بأَعْقَابِ الأَقَاوِيلِ أَنْمُلُ
الحِلْمُ: الأناةُ، وازْدِهَاؤُهُ: استخفافُهُ. والأجهالُ: جمعُ جَهْلٍ، وأُرَى مبنيٌّ لِمَا لمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ أيْ: لا أُوجَدُ ولا أُلْفَى. والسَّئُولُ: الذي يُكْثِرُ السُّؤَالَ. والأقاويلُ: جمعُ أقوالٍ، جمعُ قولٍ. وأَنْمُلُ، بالضمِّ: مُضَارِعُ نَمَلَ بالفتحِ.
ثمَّ يقولُ: لا تستخفُّ الأجهالُ على حِلْمِي، ولا تُحَرِّكُ سُكُونِي، ولا يُلْفِينِي أحدٌ مُكْثِرًا لسؤالِ الناسِ في حالِ كوْنِي أُنِمُّ بأعقابِ الأقاويلِ؛ أي: أُوَاخِرِهَا؛ أيْ (14 / ب) : أنقُلُها إلى الغيرِ على وِجْهَةِ الإفسادِ بينَهُ وبينَ مَنْ نُسِبَتْ لهُ. وسُمِّيَتْ