فهرس الكتاب
هذهِ الأقاويلُ أعقابًا لتأخُّرِها عن الاعتبارِ والاعتدادِ بها عندَ ذَوِي الهِمَمِ، واللَّهُ أعلمُ. أوْ لأنَّ الذي يُحْفَظُ ويُنْقَلُ هوَ آخِرُ ما يقالُ في الغالبِ. فَبَاءُ (بأعقابٍ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أَنْمُلُ) على ما قرَّرْنَا.
54 -وليلةِ نَحْسٍ يَصْطَلِي القوسَ رَبُّها وأَقْطُعَهُ اللاَّتِي بِهَا يَتَنَبَّلُ
النحسُ هنا: الشؤمُ والشدَّةُ. والاصطلاءُ: التسَخُّنُ بالنارِ، واصْطِلاءُ القوسِ: اصطلاءُ النارِ التي أُوقِدَت بالقوسِ. والأقْطُعُ: جَمْعُ قِطْعٍ ـ بالكسرِ ـ وهوَ هنا السهمُ. والتنَبُّلُ: تكلُّفُ الرَّمْيِ بالنَّبْلِ، ولا واحدَ للنَّبْلِ منْ لفْظِهِ، وقيلَ: واحدُهُ نَبْلَةٌ.
والتقديرُ: ورُبَّ ليلةِ شُؤْمٍ وشدَّةِ بَرْدٍ موصوفةٍ بما ذَكَرَ من الاصطلاءِ بالنارِ المُوقَدَةِ بأعوادِ القوسِ التي لا غِنَى لصاحبِها عنها، لعدمِ ما يُوقِدُ بهِ النارَ سِوَاهَا وسِوَى سهامِها التي يتَكَلَّفُ الرَّمْيَ بها نِبَالًا.
ويَصِحُّ ـ وهوَ الأَوْلَى إنْ شاءَ اللَّهُ ـ أنْ يكونَ معنى يتَنَبَّلُ يَصِيرُ نَبِيلًا صَاحِبَ نُبْلٍ، بالضمِّ؛ أيْ: ذكاءً وحِذْقًا، ولا شكَّ أنَّ إجادةَ الرميِ بالقوسِ منْ أمثلِ ما يَدْخُلُ بهِ الإنسانُ في زُمرةِ النبلاءِ كالفُرُوسَةِ والسباحةِ.
قولُهُ: (وليلةِ) مخفوضٌ بِـ (رُبَّ) المُقَدَّرَةِ بعدَ الواوِ، ومعَ ذلكَ فهوَ مرفوعُ الموضعِ بالابتداءِ؛ لأنَّ (رُبَّ) حرفٌ زائدٌ يدخلُ على المبتدأِ. وجملةُ (يَصْطَلِي) صفةُ (ليْلَةِ) . وخبرُ المبتدأِ في قولِهِ:
55 -دَعَسْتُ على غَطْشٍ وبَغْشٍ وصُحْبَتِي سُعَارٌ وإِرْزِيزٌ ووَجْرٌ وأَفْكَلُ
الدَّعْسُ هنا: شدَّةُ الوطءِ. والغَطْشُ، بالغينِ المعجمةِ: الظلامُ. والبَغْشُ، بالغينِ والشينِ المُعجمتيْنِ بعدَ المُوحَّدَةِ التحتِيَّةِ: المطرُ الخفيفُ. والصُّحْبَةُ، بالضمِّ: الصحابةُ، الواحدُ صَاحِبٌ. والسُّعَارُ، بالضمِّ: حرُّ الجوعِ. والإِرْزِيزُ، بكسرِ الهمزةِ فراءٍ ساكنةٍ فزَاءَيْنِ بينَهُما ياءٌ: تَكَمُّشٌ من البردِ. والوَجْرُ، بالجيمِ بينَ الواوِ والراءِ: الوَجَلُ. والأَفْكَلُ، بفتحِ الهمزةِ فسكونِ الفاءِ: الرِّعْدَةُ منْ خوفٍ أوْ بَرْدٍ ونحْوِهِ.
يقولُ: ورُبَّ ليلةِ نَحْسٍ سَرَيْتُ فيها، وَاطِئًا الأرضَ بشدَّةٍ معَ ظلامٍ ومطرٍ، وصَحَابَتِي ـ أي: الملازمونَ لي في سُرَايَ ـ جوعٌ شديدٌ، وبردٌ شديدٌ، وخوفٌ ورِعْدةٌ منهُ ومن البردِ.
فجملةُ (وصُحْبَتِي) في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الفاعلِ، و (عَلَى) (15 / أ) في (عَلَى غَطْشٍ) بمعنى (معَ) .
56 -فَأَيَّمْتُ نِسْوَانًا وَأَيْتَمْتُ إِلْدَةً وعُدْتُ كما أبْدَأْتُ واللَّيْلُ أَلْيَلُ
تَأْيِيمُ النِّسْوَةِ: تَصْيِيرُهُنَّ أَيَامَى، والأَيِّمُ: التي لا زوجَ لها. كما أنَّ الإِيتَامَ: تَصْيِيرُ الإِلْدَةِ يَتَامَى، وهمزةُ الإِلْدَةِ أصْلُها واوٌ. والعَوْدُ: الرجوعُ، ضدُّ البدءِ والإبداءِ أيضًا، بَدَأَ الشيءُ وبدَأَهُ كابْتَدَأَهُ، فِعْلُهُ ابْتَدَأَ. والليلُ الأَلْيَلُ: الطويلُ، كاليومِ الأَيْوَمِ, مُبَالَغَةً في الطولِ، وهكذا كلُّ وصفٍ لشيءٍ منْ لفْظِهِ.