الصفحة 24 من 32

وقولُهُ: (فأَيَّمْتُ) معطوفٌ على قوْلِهِ: (دَعَسْتُ) ، مُسَبَّبٌ عنهُ؛ أيْ: سَرَيْتُ مُصَاحِبًا لِمَا ذَكَرَ، فتسبَّبَ عنْ ذلكَ تَأْيِيمِي نِسْوَانًا كثيرةً بقَتْلِي أزْوَاجَهُنَّ. وإِيتَامِي أوْلادًا كثيرينَ بقتلِي آبائِهُنَّ، ورَجَعْتُ سالمًا إلى محَلِّي على الحالةِ التي أبْدَأْتُ السُّرَى بها، والليلُ طويلٌ جِدًّا، أيْ: بَقِيَ منهُ بعدَ عَوْدِي كثيرٌ.

والمعنى: أنَّهُ فعلَ ما فعلَ في بعضِ الليلِ، وهوَ وسَطُهُ مَثَلًا، وفَضَلَ منهُ عنْ سُرَاهُ كثيرٌ.

57 -وأصبحَ عنِّي بالغُمَيْصَاءِ جَالِسًا فَرِيقَانِ: مَسْئُولٌ وآخَرُ يَسْأَلُ

الغُمَيْصَاءُ، بالغينِ المعجمةِ مُصَغَّرًا مَمْدُودًا: موْضِعٌ أَوْقَعَ فيهِ خالدُ بنُ الوليدِ رضيَ اللَّهُ عنهُ ببَنِي جَذِيمَةَ إِثْرَ فتحِ مكَّةَ. وفريقانِ تَثْنِيَةُ فَرِيقٍ، بمعنى مُفَارِقٍ لغيْرِهِ، وهوَ اسمُ (أصْبَحَ) ، و (جالسًا) خَبَرُها، وأفرَدَهُ ولمْ يقُلْ: جالسَيْنِ ليُطَابِقَ (فريقانِ) لفظًا؛ لأنَّ فريقانِ في معنى جمعٍ مُختلفٍ. و (مسئُولٌ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أيْ: فريقٌ مسئُولٌ. (والآخَرُ يَسْأَلُ) ، وهذا تفصيلٌ لإجمالِ فريقانِ. وأهلُ المعاني والبديعِ يُسَمِّي مثلَ هذا المُثَنَّى المُفَسَّرِ باسمَيْنِ على إِثْرِهِ في آخرِ الكلامِ تَوْشِيعًا، وهوَ في اللغةِ لفُّ القُطْنِ المَنْدُوفِ، ووجْهُهُ أنَّ المُثَنَّى ـ وهوَ لفظٌ واحدٌ ـ لَمَّا كانَ معناهُ مُتَعَدِّدًا كانَ كلَفِّ القطنِ بعدَ ندْفِهِ، و (عنْ) في (عنِّي) معناها التعليلُ، وليستْ مُتعلِّقَةً بِـ (مسْئُولٌ) و (يَسْأَلُ) ، حتَّى يكونَ المعنى: فريقٌ مسئُولٌ عنِّي، وفريقٌ سائلٌ عنِّي؛ لأنَّ المسئُولَ عنهُ مبهمٌ غيرُ مُعَيَّنٍ، بدليلِ السياقِ. وتَعَلُّقُهُ بهِ يقتضي أنْ يكونَ صُورةَ سُؤَالِهِم هكذا: أَفَعَلَ الشنْفَرَى؟ أو الشنْفَرَى فعلَ هذا؟ وما أشبهَ ذلكَ.

ولا يلْزَمُ منْ كونِ الجلوسِ في الغُمَيْصَاءِ (15 / ب) لأجْلِهِ أنْ يكونَ مُعَيَّنًا عندَهُم حتَّى يُقالَ: هذا أيضًا لازمٌ في جعْلِها للتعليلِ؛ لأنَّا نقولُ: قولُهُ: (عنِّي) لأجْلِي، معناهُ أنَّ الجلوسَ سبَبُهُ فِعْلَتُهُ هوَ وسُرَاهُ في نفسِ الأمرِ، ولمْ يعْلَمُوا بهِ ولمْ يطَّلِعُوا على ما في الأمرِ منْ ذلكَ، فجلَسُوا مُسْتَكْشِفينَ عمَّا كانَ.

ومعنى البيتِ: وأصبحَ لأَجْلِ فِعْلَتِي المُنْكَرَةِ في الغُمَيْصَاءِ جمعٌ مُخْتَلِفٌ جالسًا؛ بعضُهم مَسْئُولٌ وبعْضُهُم يَسْأَلُهُ. وحِكَايَتُهُم ما ظَنُّوهُ سببًا لهَرِيرِ الكلابِ عندَ سماعِهِ لرُؤْيَةِ ما تكْرَهُهُ. قولُهُ:

58 -فقالُوا: لقدْ هرَّتْ بليلٍ كِلابُنا فقُلْنَا: أذِئْبٌ عَسَّ أَمْ عَسَّ فُرْعُلُ

معناهُ: ما قدَّمْنَاهُ منْ جُلُوسِهِمْ للتحدُّثِ والاستخبارِ عمَّا كانَ بسببِ سُرَاهُ؛ أيْ: فقالُوا جميعًا ـ أوْ مَنْ قالَ منهم: لقدْ هرَّتْ كِلابُنا في الليلِ هَرِيرًا مُرَدَّدًا لمْ نعْلَمْ سبَبَهُ فقُلْنا جميعًا ـ بمعنى أنَّ بعْضَهُم قالَهُ لبعضٍ، فالقائلُ السائلُ، والمقولُ لهُ المسئُولُ: أذِئْبٌ عَسَّ؟ أيْ: سَرَى طالبًا، أمْ عَسَّ فُرْعُلُ، وهوَ ولدُ الضَّبُعِ. وهذا حكايَةٌ لقولِهِم عندَ سماعِهِم الهريرَ، وهوَ صوتٌ دُونَ نُبَاحٍ لبَرْدٍ أوْ غيرِهِ بحَسَبِ اعتقادِهِم، وهوَ أنَّ سببَهُ أحدُ أمرَيْنِ: عسُّ الذئبِ أو الفُرْعُلِ، منْ غيرِ قَطْعٍ بأحدِهِما.

59 -فَلَمْ يَكُ إلاَّ نَبْأَةٌ ثمَّ هَوَّمَتْ فقُلْنَا: قَطَاةٌ رِيعَ أَمْ رِيعَ أجْدَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت