فهرس الكتاب
النَّبْأَةُ: هُنا: صَوْتُ الكِلابِ، أوْ صَوْتٌ مُنْبَتِرٌ لا مادَّةَ لهُ، وكذلكَ أصواتُ الكلابِ. والتَّهْوِيمُ: هزُّ الرُّءُوسِ من النُّعَاسِ. ورِيعَ: أصابَهُ رَوَعٌ؛ أيْ: فزعٌ. والأجْدَلُ: الصَّقْرُ.
قولُهُ: (نَبْأَةٌ) ، يُرْوَى بالرفعِ على أنَّ (يكُ) تامَّةٌ، وبالنصبِ على أنَّها ناقصةٌ، والاسمُ حينئذٍ ضميرُ الهَرِيرِ.
والمعنى: أنَّهُم قالُوا في تمامِ الحكايَةِ: فلمْ يَكُ الهَرِيرُ الذي سَمِعْناهُ إلاَّ خَفِيًّا، أيْ: لمْ يَقْوَ ولمْ يَدُمْ، ثمَّ نَامَت الكلابُ بعدَهُ، فتغَيَّرَ اعتقادُنا أنَّ سببَهُ ما تقدَّمَ مُعْتَقِدِينَ خلافَ ذلكَ، فقُلْنَا لمَّا هوَّمَتْ على حسَبِ اعتقادِنا أيضًا، وإنْ لمْ يكُنْ مُطَابِقًا أيضًا: أقَطَاةٌ حصلَ لها رَوَعٌ فطَارَتْ، أمْ صَقْرٌ هوَ الذي أُفْزِعَ فَطَارَ؟ فَهَرَّت الكِلابُ فانقطعَ ذلكَ، فانقطعَ هَرِيرُهَا، إذْ لوْ كانَ سببُهُ اعتساسَ الذئبِ أو الفُرْعُلِ لدَامَ؛ لأنَّ الهريرَ بحسَبِ مُوجِبِهِ في القُوَّةِ والضعفِ، وطيرانُ القَطَاةِ والأجْدَلِ عندَ الرَّوَعِ (16 / آ) أضعفُ منْ حركةِ الذئبِ والفُرْعُلِ في الاعتساسِ، فالهريرُ الذي يترتَّبُ على الأوَّلِ أضعفُ من الذي يترتَّبُ على الثاني.
والحاصلُ أنَّهُ يُسْتَدَلُّ بصفةِ الهريرِ عن سببِهِ، ولمَّا تبيَّنَ لهم عدمُ مُطابقةِ اعتقادِهم الثاني أيضًا منْ كونِ الهريرِ لقطاةٍ أوْ أجْدَلَ رِيعَ، قالُوا ما حكَاهُ هوَ عنهم بقوْلِهِ:
60 -فإنْ يكُ منْ جِنٍّ لأَبْرَحَ طارِقًا وإنْ يَكُ إنْسًا ما كَهَا الإنسُ تفْعَلُ
أبْرَحَ: فعلٌ ماضٍ فاعلُهُ ضميرُ الطارقِ المدلولُ عليهِ بما تقدَّمَ. ومعنى أبْرَحَ: أتَى بالبَرْحِ بالسكونِ، أي: الشدَّةِ. والطارقُ: الآتي ليلًا. و (كَهَا) جارٌّ ومجرورٌ، وهوَ ضميرُ الفِعْلَةِ المفهومةِ منْ سياقِ الكلامِ. وجرُّ الضميرِ بالكافِ شاذٌّ، منهُ قولُ العجَّاجِ: [الرجز]
وأُمُّ أوْعَالٍ كَهَا أوْ أقْرَبَا
قولُهُ: (فإنْ يكُ) حرفُ شرطٍ وفعلُهُ، وهوَ مُضارعُ (كانَ) الناقصةِ، واسْمُهُ ضميرٌ يعودُ على الطارقِ، و (مِنْ جِنٍّ) خبرُ (يكُ) ، و (لأَبْرَحَ) جوابُ الشرطِ. و (طارقًا) حالٌ منْ فاعلِ (أبرَحَ) . وقولُهُ: (مَا كَهَا) جوابُ قولِهِ: (وإنْ يكُ إنْسًا) جرَّدَهُ ممَّا يستحِقُّهُ من الفاءِ ضرورةً، ونظِيرُهُ قولُ حسَّانَ رضيَ اللَّهُ عنهُ: [البسيط]
مَنْ يفْعَل الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
وحَلُّ البيتِ: فإنْ يكُن الطارقُ منْ جِنٍّ ومَنْ يُحْلَفُ بهِ لأتَى بأمرٍ عظيمٍ وداهيَةٍ دَهْيَاءَ معَ قِلَّةِ زمانِهِ وخَفَاءِ مكانِهِ، بحيثُ ظُنَّ ذَئِبًا أوْ فُرْعُلًا اعتَسَّ، ثمَّ ظُنَّ قَطَاةً أوْ أجْدَلَ حَصَلَ لهُ رَوْعٌ، وإنْ يكُن الطارقُ إنْسًا فما مثلُ هذهِ الفِعْلَةِ تفعلُ الإنسُ، فقدْ خرجَ عنْ نظائرِهِ من الإنسِ بفِعْلَتِهِ المُنْكَرَةِ المُقَرَّرةِ. وهذا يدُلُّكَ على ما قرَّرْنَاهُ منْ كونِ المسئُولِ عنهُ منهما مطلوبَ التصَوُّرِ لا مُعَيَّنًا مشْكُوكًا فيما نُسِبَ إليهِ، ويُسَمَّى الأوَّلُ تصوُّرًا، والثاني تصدِيقًا.
هذا والإنسُ فاعلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دلَّ عليهِ المُؤَخَّرُ، فهوَ من الاشتغالِ في المرفوعِ, نظيرَ قولِهِ تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} .
61 -ويَوْمٍ من الشِّعْرَى تذُوبُ لُؤَابُهُ أَفَاعِيهِ فِي رمْضَائِهِ تَتَمَلْمَلُ