فهرس الكتاب
قولُهُ: (وخَرْقٍ) مخفوضٌ لفظًا برُبَّ المحذوفةِ، مرفوعٌ محَلاًّ بالابتداءِ، و (كظهْرِ التُّرْسِ) و (قَفْرٍ) منْ أوصافِ الخَرْقِ. وقولُهُ: (قَطَعْتُهُ) خبرُهُ، وجملةُ (ظَهْرُهُ ليسَ يُعْمَلُ) منْ أوصافِ الخَرْقِ تضمَّنَت الاحتراسَ ممَّا عسى أنْ يُتَوَهَّمَ منْ كونِهِ يصحُّ إعمالُهُ ويتَأَتَّى. والأَوْلَى أنَّ هذا إِيغَالٌ لخَتْمِ البيتِ بهِ معَ كوْنِهِ مُفِيدًا لنُكْتَةٍ يتمُّ أصلُ المعنى بدُونِها، وأصلُ المعنى هنا: قَطْعُهُ المفازةَ الخاليَةَ التي تُشْبِهُ ظَهْرَ التُّرْسِ برِجْلَيْهِ. وهوَ تَامٌّ لا يتوقَّفُ على ما خَتَمَ بهِ البيتَ الذي أفادَ أنَّ المفازةَ لا يَتَمَكَّنُ فيها البقاءُ لكَوْنِهَا غيرَ معمولةٍ لعدمِ صلاحِها لذلكَ، فليسَ فيها منْ ساكنٍ لأجْلِ ذلكَ.
ووَجْهُ الشبهِ بينَ الخَرْقِ والتُّرْسِ قيلَ: الاستواءُ، والأَوْلَى إنْ شاءَ اللَّهُ كثْرَةُ مَسَارِبِهِ التي يتَحَيَّرُ فيها السَّالِكُ، وتحْمِلُهُ على الضلالِ ككثرةِ آثارِ ظهرِ التُّرْسِ بالضربِ والطعنِ واختلافِها وتفَاوُتِهَا.
66 -فَأَلْحَقْتُ أُولاهُ بأُخْرَاهُ مُوفِيًا على قُنَّةٍ أُقْعِي مِرارًا وَأَمْثِلُ
الضمِيرانِ للخَرْقِ. وإلحاقُ الشيءِ بغيرِهِ: جعْلُهُ لاحقًا بهِ، وإلحاقُ أُولَى الخَرْقِ بأُخْرَاهُ كنايَةٌ عنْ قطْعِهِ بالسيرِ وجوَازِهِ إلى غيْرِهِ. والمُوفِي: الذي أوْفَى؛ أيْ: أشْرَفَ.
والقُنَّةُ: رَأْسُ الجبلِ الأعلى. والإقعاءُ بالنسبةِ للإنسانِ: جُلوسُهُ على أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ كأنَّهُ مُتَسَانِدٌ إلى ما ورَاءَهُ.
وإقعاءُ الكلبِ: جلوسُهُ على ألْيَتَيْهِ مُفْتَرِشًا رِجْلَيْهِ ناصبًا يدَيْهِ. ومَثُلَ يَمْثِلُ، بِكَسْرِ المضارعِ: انتصبَ قائمًا.
قولُهُ: (فألْحَقْتُ) ، الفاءُ للترتيبِ الذِّكْرِيِّ؛ لأنَّ إلحاقَ أُولَى الخَرْقِ بأُخْرَاهُ نفسُ قطْعِهِ لا غيرُهُ، رَتَّبَ عليهِ وعطَفَهُ عليهِ لتفصيلِهِ إجمالَ القَطْعِ؛ لأنَّ في إلحاقِ الأُولَى بالأُخْرَى تَنْصِيصًا على أنَّهُ استوعَبَهُ بالسيرِ، ولمْ يتْرُكْ منهُ شيئًا، والقَطْعُ لهُ مُحْتَمِلٌ لغيرِ ذلكَ من الاقتصارِ على مُعْظَمِهِ مَثَلًا، واللَّهُ أعلمُ سُبحانهُ. (18 / آ) .
والمعنى: أنَّهُ فعلَ ما ذكرَ منْ إلحاقِ إحْدَى الغايتيْنِ بالأُخْرَى في حالِ كونِهِ مُشْرِفًا على رأسِ جبلٍ, رَبِيئَةً، وفي حالِ كونِهِ يجلسُ على ألْيَتَيْهِ مِرارًا، وينتصبُ مِرارًا أخرى، قائمًا يُقْعِي إذا خافَ أنْ يُفْطَنَ لهُ ويُعْلَمَ بمكانِهِ، وينتصبُ إذا أَمِنَ منْ ذلكَ ليُشْرِفَ على مَنْ تحْتَهُ ليَرْصُدَهُ للغارةِ إنْ أمْكَنَتْهُ فرصةٌ انتهَزَهَا. ومنْ جُمْلَةِ أحْوَالِهِ في إشرافِهِ على القُنَّةِ ما قرَّرَهُ بقوْلِهِ:
67 -تَرُودُ الأَرَاوِيُّ الصُّحْمُ حَوْلِي كأنَّها عَذَارَى عليْهِنَّ المُلاءُ المُذَيَّلُ
تَرُودُ: أيْ تَجِيءُ وتذهبُ، وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ في طلبِ ما تأكُلُهُ. وواحدُ الأَرَاوِيِّ: أُرْوِيَّةٌ، وهيَ الشِّيَاهُ الجبلِيَّةُ. والمُلاءُ اسمُ جمعٍ، وهيَ الرَّيْطَةُ والمِلْحَفَةُ.
والمُذَيَّلُ: المُطَالُ. والصُّحْمُ، جَمْعُ أَصْحَمَ وصَحْمَاءَ, وهوَ ما في لَوْنِهِ صُحْمَةٌ ـ بضمِّ الصَّادِ ـ أيْ: صُفْرَةٌ تَضْرِبُ إلى السوادِ.
المعنى أنَّ إيفاءَهُ على القُنَّةِ كما كانَ في حالِ إقعَائِهِ مَرَّةً، ومُثُولِهِ أُخْرَى، كانَ أيضًا في حالِ رَوْدِ شِيَاهِ الجبلِ الصُّحْمِ حولَهُ.