فهرس الكتاب
والمقصودُ أنَّهُ ارتقى إلى موضعٍ من الجبلِ ليْسَ فيهِ إلاَّ الأُرْوِيَّةُ، فهيَ تجيءُ وتذهبٌ غيرَ مُكْتَرِثَةٍ بهِ لأمْنِهَا منْ أنْ تُؤْتَى هنالكَ بمَكْرُوهٍ، أوْ لأنَّها ألِفَتْهُ وأنِسَتْ بهِ، فهيَ لذلكَ لا تَنْفِرُ منهُ، وقدْ شبَّهَها في حالةِ رَوْدِهَا حوْلَهُ بالأبْكَارِ اللاَّئِي لَبِسَت المَلاحِفَ المُذَيَّلَةَ.
ويدلُّ لِمَا قلناهُ آنفًا مِنْ أنَّ تَرَدُّدَهَا حولَهُ سببُهُ الإِلْفُ والأُنْسُ قولُهُ:
68 -ويَرْكُدْنَ بالآصَالِ حَوْلِي كأنَّنِي من العُصْمِ أدْفَى يَنْتَحِي الْكِيحَ أعْقَلُ
فإنَّهُ صريحٌ في ذلكَ. ورُكُودُ الأُرْوِيَّةِ: رُبُوضُهَا، أيْ: بُرُوكُها ساكنةً. والآصالُ، جمعُ أصيلٍ: وهوَ العَشِيُّ. والعُصْمُ جمعُ أعصمَ وعَصْمَاءَ: وهوَ ما في معاصِمِهِ بياضٌ من الوُعُولِ والظِّبَاءِ. والأَدْفَى: الذي طالَ قَرْنَاهُ وانْعَطَفَا إلى ظهرِهِ حتَّى كادَا يمَسَّانِ عجُزَهُ.
والأعقلُ: الذي تدَانَتْ رِجْلاهُ.
والانْتِحَاءُ القصدُ.
والكِيحُ، بالكافِ المكسورةِ فالياءِ فالحاءِ المُهملةِ: سفحُ الجبلِ وسَنَدُهُ.
فقولُهُ: (كأَنَّنِي من العُصْمِ) ، في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الياءِ في (حوْلِي) ، و (من العُصْمِ) حالٌ منْ (أدْفَى) ، وهوَ في الأصْلِ نعتٌ لهُ، فلمَّا قُدِّمَ عليهِ انتصبَ على الحالِ كغيْرِهِ منْ نعوتِ النكرةِ المُتَقَدَّمِ عليها، و (أعْقَلُ) كَـ (ينْتَحِي الكِيحَ) نعتانِ لِـ (أدْفَى) .
والمعنى: (18 / آ) أنَّ الأُرْوِيَّةَ ـ منْ فَرْطِ أُنْسِهِنَّ بِي ـ يَرْقُدْنَ فيما قَرُبَ منِّي عندَ العَشِيِّ حتَّى أشْبَهَتْ بمُخَالَطَتِهِنَّ لي، وعدمِ استيحاشِهِنَّ بمكانِي، وَعْلًا طالَ قَرْنَاهُ وانْعَطَفَا إلى ناحيَةِ أَلْيَتِهِ في حالِ كونِهِ من الأُرْوِيَّةِ التي ابْيَضَّتْ معاصِمُها مَوْصُوفًا بتدَانِي الرِّجْلَيْنِ، ويَقْصِدُ سفْحَ الجبلِ.
جعلَ اللَّهُ إليهِ قَصْدَنَا، وحصرَ في قَصْدِهِ مَقَاصِدَنَا، آمينَ. والحمدُ للَّهِ أجلِّ مَقْصودٍ، وأعظمِ محمودٍ، على تمامِ ما قصَدْنا منْ شرحِ (لامِيَّةِ العربِ) . والشُّكرُ لهُ على ما يسَّرَهُ منْ ذلكَ وسَنَّاهُ، وما كُنَّا لنهتديَ لولا أنْ هدَانا اللَّهُ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ على أفصحِ العربِ قاطبةً، سيِّدِنا محمَّدٍ الذي فصاحةُ كلِّ فصيحٍ منْ فصاحَتِهِ راهبةٌ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ المُقْتَبِسِينَ منْ فصاحَتِهِ ما امْتَطَوْا إليهِ سَنَامَ البيانِ وغارِبَهُ.
ووافقَ تمامُ تَبْيِيضِهِ عَشِيَّةَ الخميسِ لليالٍ خَلَتْ منْ ربيعٍ النبَوِيِّ سنةَ اثنَتَيْ عشْرَةَ ومائةٍ وأَلْفٍ.
وكتبَ مُؤَلِّفُهُ محمَّدُ بنُ قاسمِ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ زَاكُورَ.
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلَغَت المطالعةُ برَسْمِ التحريرِ، والحمدُ للَّهِ العليِّ الكبيرِ.
وفي يومِ الخميسِ التالي لِمَا قبْلَهُ عرَّفَنَا اللَّهُ خيرَهُ وخيرَ ما بعدَهُ، ووَقَانَا ضَيْرَ ذلكَ، آمينَ. وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ على النبيِّ محمَّدٍ الأمينِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وكتبَ مُحمَّدُ بنُ قاسمِ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ زَاكُورَ وكانَ اللَّهُ لهُ آمينَ ولجميعِ المؤمنينَ.