للقانون في ظل العلمانية مصادر مادية، ومصادر رسمية، فأما المصادر المادية فهي التي تغترف منها مادة القانون، وهي متعددة ومتنوعة، ولا تفيد هذه المصادر في معرفة ما إذا كانت هناك قاعدة قانونية أم لا، لأن القاعدة القانونية لا تعتبر إلا إذا توفر لها عنصر الإلزام الذي يضيفه عليها المصدر الرسمي.
فالمصادر الرسمية هي التي يستمد منها القانون إلزامه، وسطوته وسلطانه ... والمصادر الرسمية للقانون المصري هي:
-التشريع.
-العرف.
-مبادئ الشريعة الإسلامية.
-مبادئ القانون الطبيعي.
-قواعد العدالة.
وليست هذه المصادر على درجة واحدة من الأهمية، فالتشريع هو المصدر الأساسي السابق في أهميته، في حين أن المصادر الأخرى لا تعدوا أن تكون مصادر ثانوية احتياطية لا يلجأ إليها إلا إذا سكت التشريع عن حكم النزاع.
فالمشرع الوضعي يوجب على القاضي أن يعمل نصوص القانون الوضعي فيما يعرض عليه من وقائع، فإن لم يجد عمل بالعرف، فإن لم يجد بحث في أحكام الشريعة الإسلامية، فإن لم يجد فقواعد العدالة والقانون الطبيعي [7] .
فالتشريع الوضعي يشغل مكان الصدارة بالنسبة للمصادر الأخرى، والأغلبية الساحقة من القواعد القانونية ترجع إليه، إذ قد تقلص ظل المصادر الأخرى حتى أصبحت أهميتها بالغة التفاهة حسب تعبير"د. سيد صبري"واقتصر دورها على سد النقص في التشريع عن حكم النزاع المعروض أمام القاضي.
على أن القاضي إذا عرض عليه نزاع معين وجب عليه أن يبحث في نصوص التشريع فإذا وجد بينها نصًا يسري بلفظه أو بروحه على الحالة المعروضة عليه التزم تطبيقه وما كان له أن يلجأ إلى المصادر الأخرى.
فقد نصت المادة الأولى من القانون المدني على ما يلي، تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها في لفظها أو في فحواها، فإذا لم يجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يجد فبمقتضى الشريعة الإسلامية، فإذا لم يجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العادلة.
فتأمل أخي المسلم تقديم العمل بهذا القانون الوضعي على الشريعة الإسلامية وتأمل ما في ذلك من إهدار للشريعة، بل وتقديم العرف البشري على أحكام الشرع الإلهي، وفي هذا مزيد من الإهدار للشريعة الإسلامية.
فهي لا تعدو عند العلمانية أن تكون مصدرًا احتياطيًا في الدرجة الثالثة ... ولا يعدو تعليق إعادة الحكم إلى الشريعة الإسلامية على حالة انعدام النص القانوني أو العرفي، لا يعدوا أن يكون ضربًا من المحال، لأن التشريعات الوضعية يراعى فيها كما يقول العلمانيون الشمول والإحاطة والتناول المفصل لكل ما يمكن أن يعرض من المنازعات في الحياة العملية.
هذه هي طريقة العلمانية في الحكم بقوانينها، وتلك هي مصادر القوانين في ظلها ... ومن قبلها كانت مصادر جنكيزخان في كتاب أحكامه الذي وضعه للتتار هي اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وكانت الشريعة الإسلامية عنده مصدرًا أصليًا وليس احتياطيًا ... فماذا قال عنه العلماء؟
لقد أطلقها ابن كثير المفسر المؤرخ المحدث أطلقها صريحة مدوية: (من ترك الشرع المنّزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا، وقدمها عليه، لا شك أن هذا يكفر بإجماع المسلمين) .
[7] مدخل دستوري سيد صبري، نظرية القانون فؤاد عبد الباقي.