هناك شبة قد يشوش بها العلمانيون، وهي أن بعض الدساتير قد نص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ... مثل دستور مصر الذي جاء في مادته الثانية: أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ... ونحن نقول: إننا لا نحكم إلا بما نعلم، ولا نجزم إلا بما نرى المحاكم الوضعية تمارسه صباح مساء، وهو أن المحاكم لا تزال ملزمة قانونًا بتطبيق القوانين الوضعية، وأن القضاة لا يملكون بحال من الأحوال تطبيق الشريعة.
ففي قضية اغتيال السادات أسس الدفاع عمله على الدفع بعدم الدستورية لأن نصوص القوانين مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتبر المصدر الرئيسي للتشريع وفقًا لأحكام [المادة الثانية من الدستور الصادر عام 1971، والمعدلة عام 1980] ... فماذا قالت المحكمة في ردها على ذلك؟
جاء في رد المحكمة: (ردًا على هذا الدفع، فإن المحكمة تشير بادئ ذي بدء إلى ما هو مستقر من أن قواعد التفسير للنصوص تأبى تأويل النص أو تحميله أكثر مما يحتمل إذا كان واضحًا لغويًا فعبارة"المصدر الرئيسي للتشريع"لا تمنع لغويًا وجود مصادر أخرى للتشريع، وهو نفس مفاد النص قبل تعدليه) .
أرأيتم ... إن المحكمة تؤكد أن العبارة شركية، وأنها تتضمن وجود مصادر أخرى غير الشريعة الإسلامية.
ولماذا نذهب بعيدًا؟ لقد حدث بالفعل أن حكم قاضٍ بالجلد في جريمة سُكر، متأولًا هذه المادة الدستورية ...
فماذا كانت النتيجة؟
لقد أبطل حكمه، وأقصى عن العمل من القضاء!
وكان ممن ذكره رئيس محكمة استئناف الإسكندرية المستشار سعيد العيسوي في أوجه بطلان هذا الحكم ما يلي:
-أن من قضى بذلك فقد حنث في يمينه القضائي الذي أقسم فيه على الحكم بالعدل واحترام القوانين ... والعدل كما يقول السيد المستشار، يعني أن تقضي في الواقع المعروض بالعقوبة الملائمة في حدود القانون المطبق ...
ثم يضيف فيقول: فقضاء هذه المحكمة بقانون آخر غير القوانين المطبقة في ذلك حنث باليمين فما بالك بمن يطبق أو يخترع قانونًا يعلم أنه غير معمول به!
-وجنائيًا لا يجوز، ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلًا لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له ولا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون.
-أن مصدر هذا الحكم لم يعرف شيئًا عن علم العقاب، فقد شدد المشرع الوضعي في العقوبة وجعلها ستة أشهر حماية للمجتمع، وهذا أحفظ من مجرد الجلد ثمانين جلدة [8] !
أرأيت أخي المسلم إن هذه العلمانية ترى أن التشريع الوضعي أحفظ لأمن المجتمع من الشريعة الإسلامية ... والقاضي الذي حكم بالجلد لم يعرف شيئًا عن علم العقاب!
هكذا ... وكأن القوم يقولون إن الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا لا يعرف شيئًا عن علم العقاب عندما اكتفى بمجرد الجلد على السُكر ... سبحانك ... هذا بهتان عظيم.
ومن الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس، ويحكم فيهم، خير مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟
أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟
أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس؟
أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟
أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله خاتم النبين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد ... كان سبحانه يجهل أن أحوالًا ستطرأ، وأن حاجات ستجد، وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان.
ما الذي يستطيع أن يقوله ... وبخاصة إذا كان يدّعي الإسلام؟
إنه مفرق الطريق، الذي لا معدى عنده من الاختيار ... إما إسلام وإما جاهلية ... إما إيمان وإما كفر ... إما حكم الله وإما حكم الجاهلية.
وهذه العلمانية التي وصفنا حالها، ورأينا واقعها ليست يقينًا حكم الله القائم على الكتاب والسنة ... فماذا تكون إلا ... حكم الجاهلية؟
قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} ، فجعل عز وجل الحكم حكمين لا ثالث لهما؛ حكم الله ... وهو الحكم القائم على الكتاب والسنة، وحكم الجاهلية ... وهو ما خالف ذلك.
وإذن فالعلمانية هي ... حكم الجاهلية.
[8] مأخودة من كتاب أحكام إسلامية إدانة للقوانين الوضعية المستشار محمود عبد الحميد غراب.