النصارى. أحسن ما اعتذر عمن صدرت منه هذه الكلمة الدالة على ذلك وهي قوله أنا الحق بأنه قال ذلك في حال سكر واستغراق غيبوبة عقل وقد رفع الله التكليف عمن غاب عقله وألغى أقواله فلا تعد مقالته هذه شيئا ولا يلتفت إليها فضلا عن أن تعد مذهبا ينقل. وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله وهذه نبذة من كلام الأئمة في ذلك: قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء في باب السماع الحالة الرابعة سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهمه ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص في عين الشهود الذي يضاهى حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف حتى بهتن وسقط إحساسهن وعن مثل هذه الحالة يعبر الصوفية بأنه فنى عن نفسه ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود. وفنى أيضا عن الشهود فإن القلب إن التفت إلى الشهود والى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود والمستهر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته والى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي لذته فالسكران لا خيرة له من سكره والملتذ لا خيرة له من التذاذه إنما خبرته من الملتذ به فقط ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشي فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء. ومثل هذه الحال قد نظر إلى حق المخلوقين فنظر أيضا في حق الخالقية الخالق ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم فإن دام لم تطقه القوى البشرية فربما يضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك فيه نفسه فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات لأن السماع على الأحوال وهي ممتزجة بصفات البشرية نوع قصور وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعنى أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن