فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 399

10 بابٌ

لا يُذْبَحُ للَّهِ بِمَكانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ (1)

وقولُ اللَّهِ تعالَى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (2) ] التوبةُ: 108[.

عَنْ ثابتِ بنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوانةَ، فَسَأَلَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فَقَالَ: (( هلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ) )، قالوا: لا، قال: (( فَهَلْ كَانَ فِيها عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ) )، قالوا: لا، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيْهِ وسلَّم: (( أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهُ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ) )رواهُ أبو داودَ، وإسنادُهُ على شَرْطِهِما (3) .

فيهِ مسائلُ:

الأولى: تفسيرُ قولِهِ: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} .

الثانيَةُ: أنَّ المعصيَةَ قَدْ تُؤَثِّرُ فِي الأرضِ، وكذلِكَ الطاعةُ.

الثالثةُ: رَدُّ المسألةِ المُشْكِلةِ إلى المسألةِ البيِّنةِ ليزولَ الإشْكَالُ.

الرابعةُ: اسْتِفْصَالُ الْمُفْتِي إذا احتاجَ ذلكَ.

الخامسةُ: أنَّ تَخْصيصَ البُقْعَةِ بالنَّذْرِ لَا بَأْسَ بِهِ إذا خَلا مِن الموانِعِ.

السادسةُ: المنْعُ مِنْهُ إِذا كانَ فيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثانِ الجاهِلِيَّةِ، وَلَوْ بَعْدَ زوالِهِ.

السابعةُ: الْمَنْعُ مِنْهُ إِذا كانَ فيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيادِهِمْ، وَلَوْ بَعْدَ زَوالِهِ.

الثامنةُ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِمَا نُذِرَ في تِلْكَ البُقْعَةِ؛ لأنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ.

التاسعةُ: الحذَرُ مِنْ مُشابَهَةِ الْمُشرِكينَ فِي أَعْيادِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ.

العاشرةُ: لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ.

الحاديَةَ عشْرةَ: لا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ.

(1) أيْ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا سَيَذْكُرُهُ المُصَنِّفُ.

(2) حَاصِلُ كَلَامِ المُفَسِّرِينَ في الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ نَهَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَقُومَ في مَسْجِدِ الضِّرَارِ في الصَّلَاةِ فيهِ أَبَدًا، والْأُمَّةُ تَبَعٌ لهُ في ذلكَ، ثُمَّ حَثَّهُ عَلَى الصَّلاةِ في مَسْجِدِ قُبَاءَ الَّذي أُسِّسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ فيهِ عَلَى التَّقْوَى، وهيَ طَاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجَمْعًا لكَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْقِلًا ومَنْزِلًا للإسلامِ وأهلِهِ بقولِهِ: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 109] ، والسِّياقُ إنَّما هوَ في مَسْجدِ قُبَاءَ، ولهذا جَاءَ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ ) )، وفي الصَّحيحِ: (( أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ) ). وَقَدْ صَرَّحَ بأنَّ المَسْجِدَ المُؤَسَّسَ عَلَى التَّقوَى هوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِن السَّلَفِ منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وعُرْوَةُ، وعَطِيَّةُ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، وغَيْرُ واحدٍ. وقيلَ: هوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحديثِ أَبِي سَعِيدٍ قالَ:"تَمَارَى رَجُلَانِ فِي المَسْجِدِ الَّذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت