فهرس الكتاب
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: هوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هُوَ مَسْجِدِي هَذَا ) )رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِهِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وغيرِهِم. قالَ ابنُ كثيرٍ: وهَذَا صَحِيحٌ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْآيَةِ وبينَ هذا؛ لأنَّهُ إذا كانَ مَسْجدُ قُبَاءَ قَدْ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ، فَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذي أُسِّسَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كمَا قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] ، فلهذهِ الْأُمُورِ نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القيامِ فيهِ للصَّلَاةِ. وَكَانَ المُنَافِقُونَ الَّذينَ بَنَوْهُ جَاؤُوا إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلَ خُرُوجِهِ إِلَى تَبُوكَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ فيهِ ليَحْتَجُّوا بِصَلَاتِهِ فيهِ عَلَى تَقْرِيرِهِ، وذَكَرُوا أنَّهُمْ إنَّما بَنَوْهُ للضُّعَفَاءِ وأَهْلِ العِلَّةِ في اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِن الصَّلاةِ فيهِ فقالَ: (( إِنَّا عَلَى سَفَرٍ وَلَكِن إِذَا رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) ). فلَمَّا قَفَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إِلَّا يَوْمٌ أَو بَعْضُ يَوْمٍ، نَزَلَ الوَحْيُ بِخَبَرِ المَسْجِدِ، فَبَعَثَ إليهِ فَهَدَمَهُ قَبْلَ مَقْدِمِهِ إلى المَدِينةِ.
ووجْهُ الدَّلَالَةِ مِن الآيَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ، لِأَنَّهُ إذا مَنَعَ اللَّهُ رسولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القِيَامِ للَّهِ تَعَالَى في هذا المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلَى هذه المَقَاصِدِ الخَبِيثَةِ مَعَ أنَّهُ لَا يَقُومُ فيهِ إِلَّا للَّهِ، فكذلِكَ المَوَاضِعُ المُعَدَّةُ للذَّبحِ لغيرِ اللَّهِ لَا يَذْبَحُ فيها المُوَحِّدُ للَّهِ؛ لِأنَّهَا قدْ أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ والشِّرْكِ بهِ، يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ثَابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ الآتِي.
وقولُهُ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 109] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وابنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرَانِيُّ والحَاكِمُ عنْ عويمِ بنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُم في مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَهَّرُونَ بِهِ؟ ) )فَقالَوا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا أنَّهُ كانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنَ اليَهُودِ فَكانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ مِنَ الغَائِطِ، فَغَسَلْنَا كمَا غَسَلُوا. وفي رِوَايَةٍ عنْ جَابِرٍ وأَنَسٍ مَرْفُوعًا: (( هُوَ ذَاكَ فَعَلَيكُمُوهُ ) )رواهُ ابنُ ماجَه، وابنُ أَبِي حَاتِمٍ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والحَاكِمُ.
وقولُهُ: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} أي: الَّذينَ يَتَنَزَّهونَ من القَاذُوراتِ والنَّجَاسَاتِ بعدَما يَتَنَزَّهونَ مِنْ أَوْضَارِ الشِّرْكِ وأَقْذَارِهِ. قالَ أبو العَالِيَةِ: إنَّ الطُّهُورَ بالماءِ لَحَسَنٌ، ولكنَّهم المُتَطَهِّرُونَ مِن الذُّنوبِ. قالَ ابنُ كثيرٍ: وفيهِ دليلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلاةِ مَعَ الجَمَاعَةِ الصَّالِحِينَ المُتَنَزِّهِينَ عنْ مُلَابَسَةِ القَاذُورَاتِ، المُحَافِظِينَ عَلَى إِسْبَاغِ الوُضُوءِ. قُلْتُ: وفيهِ إِثْباتُ المَحَبَّةِ.
(3) هذا الحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، فَقَالَ: حدَّثنَا دَاودُ بنُ رَشِيدٍ قَالَ: ثَنَا شُعَيْبُ بنُ إِسْحَاقَ، عن الْأَوْزَاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلابةَ قالَ: حدَّثني ثابتُ بنُ الضَّحَّاكِ قالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا ببُوانةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا ببُوانةَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هَلْ كانَ فِيهَا وَثَنٌ؟ .... ) )الحديثَ. وهذا إِسْنَادٌ جيِّدٌ، ورَوَى أَبُو دَاودَ أيضًا، عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ، أَنَّ