فهرس الكتاب
امْرَأَةً أَتَت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:"إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا - مَكَانٍ كانَ يَذْبَحُ فيهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ - قالَ: (( لِصَنَمٍ؟ ) )، قالَتْ: لَا، قَالَ: (( لِوَثَنٍ؟ ) )قَالَت: لَا، قَالَ: (( أَوْفِ بِنَذْرِكِ ) )مُخْتَصَرٌ، ومَعْنَى قَوْلِهِ: (( لِصَنمٍ؟ ) )إلى آخِرِهِ: هلْ يَذْبَحُونَ فيهِ لصَنَمٍ أوْ وَثَنٍ، فيَكُونُ كحَدِيثِ ثَابِتٍ."
قولُهُ:"عَن ثَابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ"أي: ابنِ خَلِيفَةَ الْأَشْهَلِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، رَوَى عنه أَبُو قِلابةَ وغيرُهُ، وماتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وسِتِّينَ.
قولُهُ:"نَذَرَ رَجُلٌ"يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هوَ كَرْدَمُ بنُ سُفْيانَ والِدُ مَيْمُونَةَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاودَ عنها، قالَتْ:"خَرَجْتُ مَعَ أَبِي فِي حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَتْ: فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ أَنْحَرَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ في عَقَبَةٍ مِن الثَّنَايَا عِدَّةً مِن النَّعَمِ - قَالَ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا إنَّهَا قالَتْ: خَمْسِينَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هَلْ بِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْثَانِ شَيْءٌ؟ ) )قالَ: لَا، قالَ: (( فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ لِلَّهِ ) )وذَكَرَ الحديثَ."
قولُهُ:"أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا"في حديثِ مَيْمُونَةَ، قَالَ: (( فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ لِلَّهِ ) )قالَ: فَجَمَعَهَا فَجَعَلَ يَذْبَحُهَا، فانْفَلَتَتْ منهُ شَاةٌ، فَطَلَبَها وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْفِ بِنَذْرِي، فَظَفِرَ بها فذَبَحَها. فيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَذَرَ إِبِلًا وغَنَمًا، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذلكَ قَضِيَّتَيْنِ.
قولُهُ: (بِبُوَانةَ) بضمِّ الباءِ وقيلَ بفتحِهَا، قالَ البَغَوِيُّ: مَوْضِعٌ في أَسْفَلِ مكَّةَ دونَ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ أبو السَّعاداتِ: هَضْبَةٌ منْ وَرَاءِ يَنْبُعَ.
قولُهُ: فَقَالَ: (( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ) )قَالَ في (عُرْوةِ المِفْتَاحِ) : الصَّنَمُ: هوَ مَا لَهُ صُورَةٌ، والوَثَنُ: مَا لَيْسَ لهُ صُورَةٌ، قُلْتُ: هَذَا هوَ الصَّحِيحُ في الفَرْقِ بينهُمَا، وَقَدْ جَاءَ عن السَّلَفِ ما يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ المَنْعُ مِن الوَفَاءِ بالنَّذْرِ إِذَا كَانَ في المَكَانِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِهِم، وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ، ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.
قولُهُ: (( فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ) )قَالَ شيخُ الْإِسْلَامِ: العِيدُ اسْمٌ لِمَا يَعُودُ مِن الاجْتِمَاعِ العَامِّ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ، عَائِدٌ إمَّا بِعَوْدِ السَّنَةِ، أوْ بِعَوْدِ الأُسْبُوعِ، أو الشَّهْرِ، ونحوِ ذلكَ، والمُرَادُ بهِ هنا الاجْتِمَاعُ المُعْتَادُ مِن اجْتِمَاعِ الجَاهِلِيَّةِ، فالعِيدُ يَجْمَعُ أُمُورًا منها: يَوْمٌ عَائِدٌ كَيَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ الجُمُعَةِ، ومنها: اجْتِمَاعٌ فيهِ، ومنها: أَعْمَالٌ تَتْبَعُ ذلكَ مِن العِبَادَاتِ والعَادَاتِ، وَقَدْ يَخْتَصُّ العيدُ بمكانٍ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا، وَكُلٌّ مِنْ هذه الْأُمُورِ قَد يُسَمَّى عِيدًا، فالزَّمانُ كقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يومِ الجُمُعَةِ: (( إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدًا ) )، والْاجْتِمَاعُ والْأَعْمَالُ كَقَوْلِ ابنِ عبَّاسٍ:"شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، والمَكَانُ كقولِهِ: (( لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا ) )، وقدْ يَكُونُ لَفْظُ العيدِ اسْمًا لمَجْمُوعِ اليَوْمِ والعَمَلِ فيهِ، وهو الغَالِبُ كقولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: (( دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا ) ). انتهَى. وفيهِ اسْتِفْصَالُ المُفْتِي، والمَنْعُ مِن الوَفَاءِ بالنَّذرِ إِذَا كَانَ في المَكَانِ عِيدٌ مِنْ أَعْيادِ الجَاهِلِيَّةِ ولوْ بَعْدَ زَوَالِهِ، والحَذَرُ مِنْ مُشَابَهِةِ المُشْرِكِينَ في أعيادِهِم ولوْ لم يَقْصِدْهُ. ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.