فهرس الكتاب
قولُهُ: (( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ) )هذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الذَّبحَ للَّهِ في المَكَانِ الَّذي يَذْبَحُ فيهِ المُشْرِكُونَ لغيرِهِ، أوْ في مَحَلِّ أعيادِهِم مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّ قولَهُ: (( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ) )تَعْقِيبٌ للوَصْفِ بالحُكْمِ بحَرْفِ الفَاءِ، وذلكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوَصْفَ سَبَبُ الحُكْمِ، فَيَكُونُ سَبَبُ الْأَمْرِ بالوَفَاءِ وُجُودَ النَّذْرِ خَاليًا عنْ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فيَكُونَانِ مَانِعَيْنِ مِن الوَفَاءِ، ولوْ لم يَكُنْ مَعْصِيَةً لجَازَ الوَفَاءُ بهِ؛ ولِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بقولِهِ: (( فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) )فَدَلَّ عَلَى أنَّ الصُّورةَ المُسْؤُولَ عنها مُنْدَرِجَةٌ في هَذَا اللَّفْظِ العَامِّ؛ لِأَنَّ العَامَّ إِذَا أُورِدَ عَلَى سَبَبٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مُنْدَرِجًا فيهِ، ولِأَنَّهُ لوْ كانَ الذَّبْحُ فيما ذَكَرَ جَائِزًا لسَوَّغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنَّاذِرِ الوَفَاءَ بهِ، كمَا سَوَّغَ لمَنْ نَذَرَت الضَّرْبَ بالدُّفِّ أَنْ تَضْرِبَ بهِ لِأنَّهُ عليهِ السَّلامُ اسْتَفْصَلَ، فلَمَّا قالُوا: لَا، قالَ لهُ: (( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ) )، وهذا يَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ البُقْعَةِ مَكَانًا لعِيدِهِم، أوْ بها وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِهِم، مَانِعٌ مِن الذَّبْحِ بها وإنْ نَذَرَ، وإِلَّا لَمَا حَسُنَ الاسْتِفْصَالُ، هذا مَعْنَى كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ. وفيهِ: أَنَّ تَخْصِيصَ البُقْعَةِ بالنَّذْرِ لَا بَأْسَ بهِ إِذَا خَلَا مِن المَوَانِعِ.
قولُهُ: (( فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) )دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى أنَّ نَذْرَ المَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي، وَمَا في مَعْنَاهُمَا، واخْتَلَفُوا: هَلْ تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ، وهو المَذْهبُ الَمَشْهُورُ عنْ أَحْمَدَ، ورُوِيَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عبَّاسٍ، وبهِ قالَ أَبُو حَنِيفَةَ وأَصْحَابُهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: (( لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) )رواهُ أحمدُ وأَهْلُ السُّننِ، واحْتَجَّ بهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
والثَّاني: لَا كَفَّارةَ عَلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَن مَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، والشَّافِعِيِّ، لحديثِ البابِ، وحديثِ عَائِشَةَ الآتِي، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِمَا كَفَّارَةٌ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الكَفَّارَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِها.
قولُهُ: (( وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ) )قَالَ في (شَرْحِ المَصَابِيحِ) : يَعْنِي إِذَا أَضَافَ النَّذْرَ إِلَى مُعَيَّنٍ لَا يَمْلِكُهُ بِأَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فلِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أَعْتِقَ عَبْدَ فُلَانٍ، أوْ أَتَصَدَّقَ بِثَوْبِهِ، ونحوَ ذلكَ، فأمَّا إِذَا الْتَزَمَ في الذِّمَّةِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُهُ فيَصِحُّ نَذْرُهُ، مِثَالُهُ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً، وهو في ذلكَ الحَالِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةً وَلَا قِيمَتَهَا، فَيَصِحُّ نَذْرُهُ، وَإِذَا شُفِيَ ثَبَتَ النَّذْرُ في ذِمَّتِهِ.
قولُهُ:"رواهُ أَبُو دَاودَ وإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطَيْهِمَا"أيْ: شَرْطِ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، وأَضْمَرَهُمَا للعِلْمِ بذلكَ. وَأَبُو دَاودَ اسْمُهُ: سُلَيْمَانُ بنُ الْأَشْعَثِ بنِ إِسْحَاقَ بنِ بِشْرِ بنِ شدَّادٍ الْأَزْدِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ، صاحِبُ الإمامِ أحمدَ، ومصنِّفُ (السُّننِ) وغيرِهَا، ثِقَةٌ إِمَامٌ حَافِظٌ، مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ. مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ومِائَتَيْنِ.