فهرس الكتاب
بِهِمَا تُنالُ الْإِمَامَةُ في الدِّينِ، كمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكانَوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .
الدَّعوةُ الثَّانِيَةُ: أنَّهُ كَانَ قانتًا للَّهِ؛ أيْ: خَاشِعًا مُطِيعًا، دَائِمًا عَلَى عِبَادَتِهِ وطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: القُنُوتُ في اللُّغَةِ: دَوَامُ الطَّاعَةِ، والمُصَلِّي إِذَا طَالَ قِيَامُهُ أوْ رَكُوعُهُ أوْ سُجُودُهُ فهوَ قَانِتٌ في ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزُّمَر: 9] ، فَجَعَلَهُ قَانِتًا في حَالِ السُّجودِ والقيامِ. انتهَى.
فوصَفَهُ في هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِتَحْقِيقِ العُبُوديَّةِ في نَفْسِهِ:
أوَّلًا: عِلْمًا وعَمَلًا.
وثَانِيًا: دَعْوةً وتَعْلِيمًا واقْتِدَاءً بهِ. وما كانَ يُقْتَدَى بهِ إِلَّا لِعِلْمِهِ بهِ في نَفْسِهِ. ووَصَفَهُ في الثَّانِيَةِ بالاسْتِقَامَةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فُصِّلَتْ: 34] ، فَتَضَمَّنَت العِلْمَ والعَمَلَ والاسْتِقَامَةَ والدَّعْوَةَ.
الدَّعْوَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّهُ كَانَ حَنِيفًا. والحَنَفُ: المَيْلُ؛ أيْ: مَائِلًا مُنْحَرِفًا قَصْدًا عن الشِّرْكِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عنهُ: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .
الدَّعوةُ الرَّابِعَةُ: أنَّهُ مَا كَانَ مِن المُشْرِكِينَ؛ أيْ: هوَ وَجْهٌ خَالِصٌ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ مُطْلَقًا. فَنَفَى عنهُ الشِّرْكَ عَلَى أَبْلَغِ وُجُوهِ النَّفْيِ، بِحَيْثُ لَا يُنسَبُ إليهِ شِرْكٌ وإِنْ قَلَّ؛ تَكْذِيبًا لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ في زَعْمِهِم أنَّهُمْ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ المُصَنِّفُ في الكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كانَ أُمَّةً} [النحل: 120] : لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ سَالِكُ الطَّرِيقِ مِنْ قِلِّةِ السَّالِكِينَ، (قَانِتًا لِلَّهِ) لَا للمُلُوكِ وَلَا للتُّجَّارِ المُتْرَفِينَ، (حَنِيفًا) لا يَمِيلُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا كَفِعْلِ العُلَمَاءِ المَفْتُونِينَ، (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، خِلَافًا لِمَنْ كَثُرَ سَوادُهُم وزَعَمَ أنَّهُ مِن المُسْلِمِينَ. قُلْتُ: وهوَ مِنْ أَحْسَنِ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هذهِ الآيَةِ، لَكِنَّهُ يُنَبِّهُ بالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. وقولُهُ: لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ، تَنْبِيهٌ عَلَى بَعْضِ مَعْنَى الآيَةِ، وهوَ المُنْفَرِدُ وحْدَهُ في الخَيْرِ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ عن ابْنِ عبَّاسٍ في قولِهِ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كانَ أُمَّةً قَانِتًا} : كَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَانِهِ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ عَلَى الْإِسْلَامِ غيرَهُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: {كَانَ أُمَّةً قَانِتًا} ، ولا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَلَامِ ابنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمِ.
قولُهُ: وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنونَ: 60] . مُنَاسَبةُ الآيَةِ للتَّرَجْمَةِ مِنْ جِهَةِ أنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ المُؤْمِنِينَ السَّابِقِينَ إِلَى الجنَّاتِ بِصِفَاتٍ؛ أَعْظَمُهَا الثَّناءُ عَلَيْهِم بأنَّهُم بِرَبِّهم لَا يُشْرِكُونَ؛ أيْ: شَيْئًا مِن الشِّرْكِ في وَقْتٍ مِن الْأَوْقَاتِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ النَّافِعَ مُطْلَقًا لا يُوَجَدُ إِلَّا بِتَرْكِ الشِّرْكِ مُطْلَقًا. ولَمَّا كَانَ المُؤْمِنُ قَدْ يَعْرِضُ لهُ مَا يَقْدَحُ في إِيمَانِهِ مِنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ أوْ