فهرس الكتاب
قولُهُ: (إذْ رُفِعَ لي سَوَادٌ عَظِيمٌ) . السَّوَادُ: ضِدُّ البَيَاضِ، والمُرَادُ هنا: الشَّخْصُ الَّذي يُرَى مِنْ بَعِيدٍ؛ أيْ: رُفِعَ لي أَشْخَاصٌ كَثِيرَةٌ.
قولُهُ: (فَظَنَنْتُ أنَّهُم أُمَّتِي) . اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ كونَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يَعْرِفْ أُمَّتَهُ، حَتَّى ظَنَّ أنَّهُمْ أُمَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ أِبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ فَقَالَ: (( إنَّهُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ ) )، وَأَجَابَ بأَنَّ الْأَشْخَاصَ التي رَآها في الْأُفِقِ لَا يُدْرَكُ منها إِلَّا الكَثْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِأَعْيَانِهِم. وَأَمَّا مَا في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَرُبُوا منهُ، ذَكَرَهُ الحَافِظُ.
قولُهُ: (فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وقَوْمُهُ) ؛ أيْ: مُوسَى بنُ عِمَرانَ كَلِيمُ الرَّحْمَنِ، وقومُهُ: الَّذينَ اتَّبَعُوهُ. وفيهِ فَضِيلَةُ مُوسَى وقَوْمِهِ.
قولُهُ: (فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ) ، لَفْظُ مُسْلِمٍ بعدَ قولِهِ: (هَذَا مُوسَى وقَوْمُهُ) : (( وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ ) ).
قولُهُ: (ومَعَهُم سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ) ؛ أيْ: لِتَحْقِيقِهِم التَّوحيدَ.
قالَ الحافِظُ: المُرَادُ بالمَعِيَّةِ المَعْنَويَّةُ؛ فإنَّ السَّبعينَ ألفًا المذكورينَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِهِ، لَكِنْ لَمْ يَكُونُوا في الَّذِينَ عُرِضُوا إِذْ ذَاكَ، فَأُرِيدَ الزِّيَادَةُ في تَكْثِيرِ أُمَّتِهِ بإِضَافَةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا إِلَيْهِم. قُلْتُ: وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِظَاهرٍ؛ فَإِنَّ في رِوَايَةِ ابنِ فُضَيْلٍ: (( وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ سَبْعُونَ أَلْفًا ) ). وَقَدْ وَرَدَ في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ في"الصَّحِيحَيْنِ"وَصْفُ السَّبْعِينَ أَلفًا بأنَّهُم تُضِيءُ وجُوهُهُم إِضَاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ. وفيهمَا عنهُ مَرْفُوعًا: (( أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ، وَالَّذينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً ) ). وجاءَ في أحاديثَ أُخَرَ أنَّ معَ السَّبْعِينَ ألفًا زيادةً عليهم. فرَوَى أحمدُ والبيهقيُّ في البعثِ حديثَ أَبِي هُرَيْرَةَ في السَّبعينَ أَلْفًا فَذَكَرَهُ وزَادَ قَالَ: (( فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي، فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ) ). قالَ الحافظُ: وَسَنَدُهُ جيِّدٌ.
وفي البابِ عنْ أَبِي أَيُّوبَ عندَ الطَّبَرَانِيِّ، وعنْ حُذَيْفَةَ عندَ أَحْمَدَ، وعنْ أَنَسٍ عندَ البَّزارِ، وعنْ ثَوْبَانَ عندَ أَبِي عَاصِمٍ، قالَ: فهذهِ طُرُقٌ يُقَوِّي بعضُهَا بعضًا. قالَ: وجاءَ في أحاديثَ أُخَرَ أكثرُ منْ ذلكَ. فأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرَانِيُّ وابنُ حِبَّانَ في"صحِيحِهِ"منْ حديثِ أبي أُمَامَةَ رفَعَهُ: (( وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعونَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِم وَلَا عَذَابَ، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي ) ). وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى منْ حديثِ أَبِي بِكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحَدٍ. فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ) ). قالَ الحافظُ: وفي سَنَدِهِ رَاوِيَانِ؛ أحدُهُمَا ضَعِيفُ الحِفْظِ، والآخَرُ لمْ يُسَمَّ. قُلْتُ: وفيهِ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُحْشَرُ مَعَ نبيِّهَا.
قولُهُ: (ثُمَّ نَهَضَ) ؛ أيْ: قامَ.