فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 399

قولُهُ: (فخاضَ النَّاسُ في أولئكَ) . قالَ النَّوويُّ: هوَ بالخاءِ والضَّادِ المُعْجَمَتَيْنِ؛ أيْ: تكلَّمُوا وتناظَرُوا. قالَ: وفي هذا إباحةُ المُناظرةِ في العلمِ والمباحثةِ في نصوصِ الشَّرعِ عَلَى جهةِ الاستفادةِ وإظهارِ الحقِّ، وفيهِ عُمْقُ عِلْمِ السَّلَفِ لمَعْرِفَتِهِم أنَّهُم لمْ يَنَالُوا ذلكَ إِلَّا بعِلْمٍ، وفيهِ حِرْصُهُم عَلَى الخيرِ، ذكرَهُ المصنِّفُ.

قولُهُ: (فقالَ هم الَّذينَ لا يَسْتَرْقُونَ) ، هكذا ثَبَتَ في"الصَّحيحَيْنِ". وفي روايَةِ مسلمٍ التي ساقَهَا المصنِّفُ هنا زيادةُ: (( وَلَا يَرْقُونَ ) )، وكَانَ المُصَنِّفُ اخْتَصَرَهَا كَغَيْرِهَا لَمَّا قيلَ: إنَّهَا مَعْلُولَةٌ. قالَ شيخُ الإسلامِ: هذهِ الزِّيادَةُ وَهْمٌ من الرَّاوِي، لَمْ يَقُل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَرْقُونَ؛ لِأَنَّ الرَّاقِيَ مُحْسِنٌ إِلَى أَخِيهِ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَدْ سُئِلَ عن الرُّقَى، قالَ: (( مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ ) )، وقالَ: (( لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا ) )، قالَ: وأيضًا فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورَقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ. قالَ: والفَرْقَ بَيْنَ الرَّاقِي والمُسْتَرْقِي في أنَّ المُسْتَرْقِيَ سَائِلٌ مُسْتَعْطٍ مُلْتَفِتٌ إلى غيرِ اللَّهِ بقلْبِهِ، والرَّاقِيَ مُحْسِنٌ. قَالَ: وإنَّما المُرَادُ وَصْفُ السبَّعينَ ألفًا بتمامِ التَّوكُّلِ، فلا يَسْأَلُونَ غيرَهُمْ أنْ يَرْقِيَهُمْ ولَا يَكْوِيَهُم، ولا يَتَطَيَّرُونَ. وكذا قالَ ابنُ القيِّمِ، ولكن اعْتَرَضَهُ بعضُهُمْ بأنْ قالَ: تَغْلِيطُ الرَّاوِي مَعَ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيادَةِ لا يُصَارُ إليهِ، والمعنى الَّذي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوْجُودٌ في المَرْقِيِّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَلَّ بأنَّ الَّذي لا يَطلُبُ مِنْ غيرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوكُّلِ، فكذا يُقالُ: والذي يَفْعَلُ بهِ غيرُهُ ذلكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ منهُ لِأَجْلِ تَمامِ التَّوكُّلِ، وليسَ في وُقُوعِ ذلكَ منْ جبريلَ عليهِ السَّلامُ دلالةٌ عَلَى المُدَّعَى، وَلَا في فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهُ أيضًا دَلَالَةٌ في مَقَامِ التَّشريعِ وتَبْيِينِ الأحكامِ. كذا قالَ هذا القَائِلُ وهوَ خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هذهِ الزِّيادَةَ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا إِلَّا بِحَمْلِهَا عَلَى وجوهٍ لا يَصِحُّ حَمْلُها عليها، كقولِ بعضِهِم: المرادُ لا يَرْقُونَ بِمَا كَانَ شِرْكًا أو احْتَمَلَهُ؛ فإنَّهُ لَيْسَ في الحديثِ ما يَدُلُّ عَلَى هذا أصلًا، وأيضًا فَعَلَى هذا لا يكونُ للسَّبعينَ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهم؛ فإنَّ جُمْلَةَ المؤمنينَ لا يَرْقُونَ بِمَا كَانَ شِرْكًا.

الثَّاني: قولُهُ: فكذا يُقالَ إلخ، لا يَصِحُّ هذا القياسُ؛ فإنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ القِيَاسِ، وكيفَ يُقَاسُ مَنْ سَأَلَ وطَلَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ، مَعَ أنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الفَارِقِ الشَّرْعِيِّ؟! فهوَ فَاسِدُ الاعتبارِ، لأنَّهُ تَسْوِيَةٌ بينَ ما فرَّقَ الشَّارعُ بينَهُمَا بقولِهِ: (( مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ ) ). رواهُ أحمدُ والتِّرمذيُّ وصحَّحَهُ ابنُ مَاجَهْ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ أيضًا، وكيفَ يُجْعَلُ تَرْكُ الإحسانِ إلى الخَلْقِ سَبَبًا للسَّبْقِ إلى الجِنَانِ؟! وهذا بِخِلَافِ مَنْ رَقَى أوْ رُقِيَ مِنْ غيرِ سؤالٍ، فقدْ رَقَى جبريلُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لمْ يكُنْ مُتَوَكِّلًا في تلكَ الحالِ.

الثَّالثُ: قولُهُ: ليسَ في وقوعِ ذلكَ منْ جبريلَ عليهِ السَّلامُ، إلخ، كَلَامٌ غيرُ صَحِيحٍ، بلْ هُمَا سيِّدا المُتَوَكِّليِنَ، فَإِذَا وَقَعَ ذلكَ منهُمَا دَلَّ عَلَى أنَّهُ لا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، فاعْلَمْ ذلكَ.

قولُهُ: (ولَا يَكْتَوُونَ) ؛ أيْ: لا يَسْأَلُونَ غيرَهُم أنْ يَكْوِيَهُم، كمَا لَا يَسْأَلُونَ غيرَهُم أَنْ يَرْقِيَهُمْ؛ اسْتِسْلَامًا للقَضَاءِ، وتَلَذُّذًا بالبَلَاءِ. أَمَّا الكَيُّ في نفسِهِ فجائزٌ، كمَا في"الصَّحيحِ"عنْ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ لهُ عِرْقًا وَكَوَاهُ. وفي"صحيحِ البخاريِّ"عنْ أنسٍ، أَنَّهُ كُوِيَ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ وَالنَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ. ورَوَى التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ عنْ أَنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت