فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 399

كَوَى أَسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ من الشَّوْكةِ. وفي"صِحيحِ البُخَاريِّ"عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: (( الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةُ عَسَلٍ، وَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةُ نَارٍ. وَأَنَا أَنْهَى عَنِ الْكَيِّ ) )، وفي لفظٍ: (( وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ ) ).

قالَ ابنُ القيِّمِ: فَقَدْ تَضَمَّنَتْ أَحَادِيثُ الكَيِّ أَرْبَعَةَ أنواعٍ.

أحدُهَا: فِعْلُهُ،

والثَّاني: عَدَمُ مَحَبَّتِهِ لَهُ.

والثَّالِثُ: الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ.

والرَّابعُ: النَّهيُ عنهُ. ولا تَعَارُضَ بينَهَا بِحَمْدِ اللَّهِ؛ فإنَّ فِعْلَهُ لهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وعَدَمُ مَحَبَّتِهِ لهُ لا يَدُلُّ عَلَى المَنْعِ منهُ. وأمَّا الثَّناءُ عَلَى تاركِيهِ، فيَدُلُّ عَلَى أنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَأَفْضَلُ، وأمَّا النَّهيُ عنهُ فعلى سبيلِ الاختيارِ والكَرَاهِيَةِ.

قولُهُ: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ؛ أيْ: لا يَتَشَاءَمُونَ بالطُّيورِ ونحوِهَا، وسيأتي بيانُ الطِّيَرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا في بابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قولُهُ: (وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، ذَكَرَ الْأَصْلَ الجَامِعَ الَّذي تَفَرَّعَتْ عنهُ هذهِ الْأَفْعَالُ؛ وهوَ التَّوكُّلُ عَلَى اللَّهِ، وصِدْقُ الالْتِجَاءِ إليهِ، والاعْتِمَادُ بالقَلْبِ عَلَيْهِ الَّذي هوَ خُلَاصَةُ التَّفْرِيدِ، ونِهَايَةُ تَحْقِيقِ التَّوحِيدِ؛ الَّذي يُثْمِرُ كُلَّ مَقَامٍ شَرِيفٍ مِن الْمَحَبَّةِ والخَوْفِ والرَّجَاءِ، والرِّضَى بِهِ رَبًّا وإِلَهًا، والرِّضَى بقِضَائِهِ. بلْ رُبَّمَا أَوْصَلَ العِبْدَ إلى التلذُّذِ بالبلاءِ، وعَدَّهُ من النَّعْماءِ، فَسُبْحَانَ مَنْ يَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ، واللَّهُ ذو الفَضْلِ العظيمِ.

واعْلَمْ أنَّ الحديثَ لا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُم لَا يُبَاشِرُونَ الْأَسْبَابَ أَصْلًا كَمَا يَظُنُّهُ الجَهَلَةُ؛ فَإِنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَسْبَابِ في الجُمْلَةِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ لَا انْفِكَاكَ لِأَحَدٍ عنهُ حَتَّى الحَيَوانِ البَهِيمِ، بلْ نَفْسُ التَّوكُّلِ مُبَاشَرَةٌ لِأَعْظَمِ الْأَسْبَابِ، كمَا قالَ تعالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ؛ أيْ: كَافِيهِ. إنَّما المُرادُ أنَّهُم يَتْرُكُونَ الْأُمُورَ المَكْرُوهَةَ مَعَ حَاجَتِهِم إِلَيْهَا تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ، كَالاسْتِرْقَاءِ والاكْتِوَاءِ، فَتَرْكُهُم لهُ ليسَ لكونِهِ سببًا لكنْ لكونِهِ سَبَبًا مَكْرُوهًا، لَا سِيَّمَا والمَرِيضُ يَتَشَبَّثُ بِمَا يَظُنُّهُ سَبَبًا لشِفَائِهِ بِخَيْطِ العَنْكَبُوتِ.

أَمَّا نَفْسُ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبابِ والتَّدَاوِي عَلَى وَجْهٍ لَا كَرَاهِيَةَ فيهِ، فَغَيْرُ قَادِحٍ في التَّوْكُلِّ، فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ مُشْرُوعًا، كَمَا في"الصَّحِيحَيْنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا أَنْزَلَ لهُ شِفَاءً ) )."

وعنْ أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَت الأَعْرَابُ فَقالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقالَ: (( نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ ) )، قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: (( الْهَرَمُ ) )، رَوَاهُ أحمدُ.

قالَ ابنُ القيِّمِ: فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هذهِ الْأَحَادِيثُ إِثْبَاتَ الْأَسْبَابِ والمُسَبَّباتِ، وإِبْطَالَ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَهَا، والأمرَ بالتَّداوِي، وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ، كمَا لا يُنَافِيهِ دَفْعُ دَاءِ الجُوعِ والعَطَشِ والحَرِّ والبَرْدِ بأَضْدَادِهَا، بلْ لا تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْحيدِ إِلَّا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ مُقْتَضَياتٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت