فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 399

لمُسَببَّاتِهَا قَدَرًا وشَرْعًا، وأَنَّ تَعْطِيلَها يَقْدَحُ بمباشرتِهِ في نفسِ التَّوكُّلِ، كمَا يَقْدَحُ في الْأَمْرِ والحِكْمَةِ، ويُضَعِّفُهُ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ مُعَطِّلُها أَنَّ تَرْكَها أَقْوَى مِن التَّوكُّلِ، فإنَّ تَرْكَها عَجْزٌ يُنَافِي التَّوكُّلَ الَّذي حقيقتُهُ اعْتِمَادُ القَلْبِ عَلَى اللَّهِ في حُصُولِ ما يَنْفَعُ العَبْدَ في دِينهِ ودُنْياهُ، ودَفْعِ ما يَضُرُّهُ في دِينِهِ ودُنْياهُ. ولَا بُدَّ مَعَ هَذَا الاعْتِمَادِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبابِ، وإِلَّا كَانَ مُعَطِّلًا للْأَمْرِ والحِكْمَةِ والشَّرْعِ، فَلَا يَجْعَلُ العَبْدُ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، ولا تَوَكُّلَهُ عَجْزًا.

وقد اختلفَ العلماءُ في التَّداوي، هلْ هوَ مُبَاحٌ وتَرْكُهُ أَفْضَلُ، أوْ مُسْتَحَبٌّ أوْ وَاجِبٌ؟ فالمَشْهُورُ عنْ أَحْمَدَ الأوَّلُ؛ لهذا الحديثِ وما في معناهُ. ولكنْ عَلَى ما تَقَدَّمَ لا يَتِمُّ الاستدلالُ بهِ عَلَى ذلكَ. والمشهورُ عندَ الشَّافعيِّ الثَّاني، حتَّى ذكَرَ النَّوويُّ في"شرحِ مسلمٍ"أنَّهُ مَذْهَبُهُم ومذهبُ جمهورِ السَّلَفِ وعَامَّةِ الخَلَفِ. واخْتَارَهُ الوزيرُ أبو المُظَفَّرِ.

قالَ: ومذهبُ أَبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ مؤكَّدٌ حتَّى يُدانِيَ بهِ الوجوبَ، قالَ: ومَذْهبُ مالكٍ أنَّهُ يَسْتَوِي فِعْلُهُ وتَرْكُهُ؛ فإنَّهُ قالَ: لا بَأْسَ بالتَّدَاوي، ولا بأسَ بتركِهِ. وقالَ شيخُ الإسلامِ: لَيْسَ بواجبٍ عندَ جماهيرِ الأئمَّةِ، إنَّما أَوْجَبَهُ طائفةٌ قَلِيلةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ.

قولُهُ: (فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ) ، بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الكافِ ويَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، ومِحْصَنٌ بكسرِ الميمِ وسكونِ الحاءِ وفتحِ الصَّادِ المهملتيْنِ، ابنِ حُرْثَانَ، بضمِّ المهملةِ وسكونِ الرَّاءِ وبعدَهَا مثلَّثَةٌ، الْأَسْدِيُّ مِنْ بَنِي أَسدِ بنِ خُزَيْمَةَ، ومِنه حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ، كانَ من السَّابقينَ إلى الإسلامِ، ومِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ، هاجرَ وشَهِدَ بَدْرًا وَقَاتَلَ فيهَا. قالَ ابنُ إسحاقَ: وبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( خَيْرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ عُكَّاشَةُ ) )، ومَنَاقِبُهُ مشهورةٌ، اسْتُشْهِدَ في قِتَالِ أهلِ الردَّةِ معَ خالدِ بنِ الوليدِ بِيَدِي طُلَيْحَةَ الأسديِّ سنةَ اثنتَيْ عَشْرَةَ، ثُمَّ أسْلَمَ طُلَيْحَةُ بعدَ ذلِكَ.

قولُهُ: (قالَ: ادعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهُمْ) ، فقالَ: (( أَنْتَ مِنْهُمْ ) ). في روايَةِ البخاريِّ: (( فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ) ). وكذلِكَ في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ عندَ البخاريِّ مِثْلُهُ. وفي بعضِ الرِّواياتِ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( نَعَمْ ) ). قالَ الحافظُ: ويُجْمَعُ بأنَّهُ سَأَلَ الدُّعَاءَ أوَّلًا، فدعَا لهُ، ثُمَّ استفهَمَ هلْ أُجيبَ؟ فأخبرَهُ. وفيهِ طلبُ الدُّعاءِ من الفاضلِ.

قولُهُ: (ثُمَّ قامَ إليهِ رَجُلٌ آخَرُ) ، لمْ نَقِفْ عَلَى تسميتِهِ إِلَّا في طَرِيقٍ واهيَةٍ ذكرَهَا الخطيبُ في"المُبْهَمَاتِ"منْ روايَةِ أبي حُذَيْفَةَ إسحاقَ بنِ بِشْرٍ أحدِ الضُّعفاءِ منْ طريقَيْنِ لهُ عنْ مجاهدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا انصرَفَ منْ غَزَاةِ بني المُصْطَلِقِ، فَسَاقَ قصَّةً طويلةً فيها ذلكَ. قالَ الحافظُ. وهذا معَ ضعفِهِ وإرسالِهِ يُسْتَبْعَدُ منْ جهةِ جلالةِ سعدِ بنِ عُبَادَةَ؛ فإنْ كانَ محفوظًا فلَعَلَّهُ آخَرُ باسمِ سَيِّدِ الخَزْرَجِ واسمِ أبيهِ، فإنَّ في الصَّحَابةِ كذلِكَ آخَرُ لهُ في"مسندِ بقيِّ بنِ مَخْلَدٍ"، وفي الصَّحابةِ سعدُ بنُ عُمَارَةَ، فلعلَّ اسمَ أبيهِ تَحَرَّفَ.

قولُهُ: (سبقَكَ بهَا عُكَّاشَةُ) ، قالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قولِهِ سَبَقَكَ؛ أيْ: إلى إِحْرَازِ هذهِ الصِّفاتِ، وهيَ التَّوكُّلُ وعدمُ التَّطيُّرِ وما ذَكَرَ معَهُ، وعَدَلَ عنْ قولِهِ: لسْتَ منهُمْ، أوْ لسْتَ عَلَى أخلاقِهِم تلطُّفًا بأَصْحَابِهِ، وحُسْنَ أَدَبٍ مَعَهُم، وقالَ القُرْطُبِيُّ: لمْ يكُنْ عندَ الثَّاني مِن الْأحْوالِ ما كانَ عِنْدَ عُكَّاشَةَ؛ فلذلكَ لمْ يُجِبْ، إِذْ لوْ أَجَابَهُ لجَازَ أنْ يَطْلُبَ ذلكَ كلُّ مَنْ كانَ حَاضِرًا فَيَتَسَلْسَلُ الأمرُ، فَسَدَّ البَابَ بقولِهِ ذلكَ، وهذا أَوْلَى مِنْ قولِ مَنْ قالَ: كانَ مُنَافِقًا لوجهَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت