فهرس الكتاب
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: (( إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ التِّوَلَةَ شِرْكٌ ) )فقُلْتُ: لِمَ تَقولُ هكذا؟ لقد كانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ، وكُنْتُ أَخْتَلِفُ إلى فُلانٍ اليهودِيِّ يَرْقِيها، فإذا رَقَاهَا سَكَنَتْ: فقالَ عبدُ اللهِ: إنَّما ذلك عَمَلُ الشَّيطانِ يَنْخُسُهَا بيدِهِ، فإذا رَقَيْتِهَا كَفَّ عنها، إنَّما كانَ يَكْفِيكِ أنْ تَقولِي كمَا كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: (( أَذْهِب البَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي شِفاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ) )ورَوَاهُ ابنُ ماجةَ وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ وقالَ: صحيحٌ. وأَقَرَّهُ الذَّهَبيُّ.
قولُهُ: (إنَّ الرُّقَى) قالَ المصنِّفُ: الرُّقَى هي الَّتي تُسَمَّى العَزائِمَ، وخَصَّ منه الدَّليلُ ما خَلا مِن الشِّركِ، فقد رَخَّصَ فيهِ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن العَيْنِ والحُمَةِ. يُشِيرُ إلى أنَّ الرُّقَى المَوْصُوفةَ بكَوْنِهَا شِرْكًا هي الرُّقَى الَّتي فيها شِرْكٌ؛ من دُعاءِ غيرِ اللهِ، والاسْتِغاثةِ والاسْتِعاذةِ بهِ؛ كالرُّقَى بأسماءِ الملائكةِ والأنبياءِ والجِنِّ ونحوِ ذلك، أَمَّا الرُّقَى بالقرآنِ وأسماءِ اللهِ وصِفاتِهِ ودُعائِهِ والاستعاذةِ بهِ وحدَهُ لا شريكَ له، فليسَتْ شركًا، بل ولا مَمْنوعةً، بل مُسْتَحَبَّةً أو جائِزةً.
قولُهُ: (فَقَدْ رَخَّصَ فيه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العَيْنِ والحُمَةِ) تَقَدَّمَ ذلك في بابِ مَن حَقَّقَ التَّوحيدَ، وكذلِكَ رَخَّصَ فيه مِن غيرِهَا، كمَا في (( صحيحِ مُسْلِمٍ ) )عن عَوْفِ بنِ مالكٍ قالَ: كنَّا نَرْقِي في الجاهِلِيَّةِ فقُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، كيفَ تَرَى في ذَلِكَ فَقَالَ: (( اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ ) )وفيهِ عن أَنَسٍ قَالَ: (( رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرُّقْيَةِ من العينِ والحُمَةِ والنَّمْلةِ ) ). وعن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ مرفوعًا: (( لاَ رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمٍ ) )رَوَاهُ أَبُو داودَ، وفي البابِ أحاديثُ كثيرةٌ.
قالَ الخَطَّابيُّ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَقَى ورُقِيَ، وأَمَرَ بِها وأَجازَهَا، فإذا كانَتْ بالقرآنِ أو بأسماءِ اللهِ تعالى، فهي مُباحَةٌ أو مَأْمورٌ بِها، وإنَّما جاءَت الكَرَاهِيَةُ والمَنْعُ فيما كانَ منها بغيرِ لسانِ العربِ، فإنَّهُ رُبَّما كانَ كُفْرًا، أو قَوْلًا يَدْخُلُهُ الشِّركُ، قالَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكونَ الَّذي يُكْرَهُ مِن ذلك ما كانَ عَلَى مَذاهبِ الجاهِلِيَّةِ الَّتي يَتَعاطَونَهَا، وأنَّهَا تَدْفَعُ عنهم الآفاتِ، ويَعْتَقِدُونَ ذلك من قِبَلِ الجِنِّ ومَعُونَتِهِم.
قُلْتُ: ويَدُلُّ عَلَى ذلك قَوْلُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طالبٍ: إنَّ كثيرًا مِن هذه الرُّقَى والتَّمائمِ شِرْكٌ، فاجْتَنِبُوهُ. رَوَاهُ وَكِيعٌ، فهذا يُبَيِّنُ معنى حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ ونحوِهِ.
وقالَ ابنُ التِّينِ: الرُّقَى بالمُعَوِّذَاتِ وغيرِهَا من أسماءِ اللهِ تعالى هو الطِّبُّ الرَّبانيُّ، فإذا كانَ عَلَى لسانِ الأَبْرارِ مِن الخَلْقِ، حَصَلَ الشِّفاءُ بإذنِ اللهِ تعالى، فلَمَّا عُفِيَ عن هذا النَّوعِ، فَزِعَ النَّاسُ إلى الطِّبِّ الجُسْمانِيِّ وتلكَ الرُّقَى المَنْهِيِّ عنها الَّتي يَسْتَعْمِلُهَا المُعَزِّمُ وغيرُهُ مِمَّنْ يَدَّعِي تَسْخِيرَ الجِنِّ له فيَأْتِي بأمورٍ مُشْتَبِهةٍ مُرَكَّبَةٍ مِن حقٍّ وباطلٍ، يَجْمَعُ إلى ذِكْرِ اللهِ تعالى وأسمائِهِ ما يَشُوبُهُ مِن ذِكْرِ الشَّياطينِ والاسْتِعانةِ بِهِم والتَّعَوُّذِ بِمَرَدتِهِم. ويُقَالُ: إنَّ الحَيَّةَ لِعداوَتِهَا الإنسانَ بالطَّبْعِ تُصَادِقُ الشَّياطِينَ لكَوْنِهِم أَعْداءَ بَنِي آَدَمَ، فإذا عَزَّمَ عَلَى الحيَّةِ بأسماءِ الشَّياطِينِ أَجَابَتْ وخَرَجَتْ من مَكانِهِا وكذا اللَّدِيغُ إذا رُقِيَ بتلك الأسماءِ سَالَتْ سُمومُهَا من بَدَنِ الإنسانِ، ولذلِكَ كُرِهَ الرُّقَى ما لم تَكُنْ بآياتِ اللهِ وأسمائِهِ خاصَّةً، وباللِّسانِ العربيِّ الَّذي يُعْرَفُ معنَاهُ، لِيَكونَ بَرِيئًا من شَوْبِ الشِّركِ، وعلى كَراهَيِة الرُّقَى بغيرِ كِتابِ اللهِ عُلماءُ الأُمَّةُ.
قالَ شيخُ الإسلامِ: كلُّ اسمٍ مَجْهُولٍ فليسَ لأحدٍ أن يَرْقِيَ بهِ، فَضْلًا عن أن يَدْعُوَ بهِ ولو عَرَفَ معنَاهُ؛ لأنَّهُ يُكْرَهُ الدُّعاءُ بغيرِ العربيَّةِ، وإنَّمَا يُرَخَّصُ لِمَنْ لا يَعْرِفُ العربيَّةَ، فأمَّا جَعْلُ الألفاظِ العَجَمِيَّةِ شِعارًا، فليسَ مِن