فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 399

الإسلامِ. قُلْتُ: وسُئِلَ ابنُ عبدِ السَّلامِ عن الحُروفِ المُقَطَّعَةِ، فمَنَعَ مِنها ما لا يُعْرَفُ، لِئلَّا يَكونَ فيه كُفْرٌ. وقالَ السُّيوطيُّ: قد أَجْمَعَ العُلماءُ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى عندَ اجْتِماعِ ثلاثةِ شروطٍ:

أن يَكونَ بكلامِ اللهِ تعالى أو بأسمائِهِ وصِفاتِهِ،

وباللسانِ العربيِّ وبما يُعْرَفُ معناهُ،

وأن يَعْتَقِدَ أنَّ الرُّقْيَةَ لا تُؤَثِّرُ بذاتِهَا، بل بتقديرِ اللهِ تعالى، فتَلَخَّصَ أنَّ الرُّقْيَةَ ثلاثةُ أقسامٍ.

قولُهُ: (والتَّمائمُ) تَقَدَّمَ كلامُ المُنْذِرِيِّ وابنِ الأَثِيرِ في مَعْناهُ في البابِ قَبلَهُ وظاهرُ تَخْصِيصِ التَّمائمِ بما ذَكَرَاه. وقالَ المصنِّفُ: التَّمائمُ شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأولادِ من العينِ. وقالَ الخَلْخَالِيُّ: التَّمائمُ: جمعُ تَمِيمةٍ، وهي ما يَتَعَلَّقُ بأَعْناقِ الصِّبْيانِ مِن خَرَزاتٍ وعِظامٍ لدَفْعِ العينِ، وهذا مَنْهِيٌّ عنه؛ لأنَّهُ لا دَافِعَ إلا اللهُ، ولا يُطْلَبُ دَفْعُ المُؤْذِياتِ إلَّا باللهِ وأسمائِهِ وصِفاتِهِ، وظاهرُهُ أنَّ ما عُلِّقَ لدَفْعِ العينِ وغيرِهَا فهو تَمِيمةٌ، منِ أيِّ شيءٍ كانَ، وهذا هو الصَّحيحُ. وقدْ يُقَالُ: إنَّ كلامَ المُنْذِرِيِّ وابنِ الأَثِيرِ وغيرِهِما لا يُخالِفُهُ. قالَ المُصَنِّفُ: لكنْ إذا كانَ المُعَلَّقُ مِن القرآنِ فرَخَّصَ فيه بعضُ السَّلَفِ، وبعضُهُم لم يُرَخِّصْ فيهِ ويَجْعَلُهُ من المَنْهِيِّ عنه، منهم ابنُ مَسْعودٍ.

اعْلَمْ أنَّ العُلماءَ مِن الصَّحابةِ والتَّابعينَ فمَنْ بعدَهُم اخْتَلَفُوا في جَوازِ تَعْلِيقِ التَّمائمِ الَّتي من القرآنِ وأسماءِ اللهِ وصِفاتِهِ، فقالَتْ طائفةٌ: يَجوزُ ذلك. وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ وغيرِهِ، وهو ظاهرُ ما رُوِيَ عن عائشةَ، وبهِ قالَ أبو جَعْفَرٍ الباقرُ وأحمدُ في رِوايةٍ، وحَمَلُوا الحديثَ عَلَى التَّمائمِ الشِّركيَّةِ، أمَّا الَّتي فيها القرآنُ وأسماءُ اللهِ وصفاتُهُ، فكالرُّقْيَةِ بذلك. قُلْتُ: وهو ظاهرُ اخْتِيارِ ابنِ القَيِّمِ. وقالَتْ طائفةٌ: لا يَجوزُ ذلك. وبهِ قالَ ابنُ مَسْعودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وهو ظاهرُ قولِ حُذَيْفةَ، وعُقْبَةَ بنِ عامرٍ، وابنِ عُكَيْمٍ رَضِي الله عَنْهُم، وبهِ قالَ جماعةٌ من التَّابعينَ، منهم أَصْحابُ ابنِ مَسْعودٍ، وأحمدُ في روايةٍ اختارَهَا كثيرٌ مِن أَصْحابِهِ، وجَزَمَ بهِا المُتَأَخِّرُونَ، واحْتَجُّوا بهِذا الحديثِ وما في معنَاهُ، فإنَّ ظاهرَهُ العمومُ، لم يُفَرِّقْ بينَ الَّتي في القرآنِ وغيرِهَا، بخِلافِ الرُّقَى فقد فَرَّقَ فيها، ويُؤَيِّدُ ذلك أنَّ الصَّحابةَ الَّذينَ رَوَوا الحديثَ فَهِمُوا العُمومَ كمَا تَقَدَّمَ عن ابنِ مَسْعودٍ. ورَوَى أبو داودَ عن عيسى بنِ حَمْزةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلَى عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ وبهِ حُمْرَةٌ. فقُلْتُ: أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمةً؟ فقالَ: نَعُوذُ باللهِ مِن ذلك؛ قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ ) )ورَوَى وَكِيعٌ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: اتْفُلْ بالمُعَوِّذَتَيْنِ ولا تُعَلِّقْ. وأمَّا القِياسُ عَلَى الرُّقْيَةِ بذلك، فقدْ يُقَالُ بالفَرْقِ، فكيفَ يُقَاسُ التَّعْلِيقُ الَّذي لابدَّ فيه من وَرَقٍ أو جُلودٍ ونحوِهِمَا عَلَى ما لا يُوجَدُ ذلك فيهِ، فهذا إلى الرُّقىَ المُرَكَّبَةِ من حقٍّ وباطلٍ أَقْرَبُ. هذا اخْتِلافُ العلماءِ في تَعْلِيقِ القرآنِ وأسماءِ اللهِ وصِفاتِهِ، فما ظَنُّكَ بما حَدَثَ بعدَهُم من الرُّقَى بأسماءِ الشَّياطينِ وغيرِهِم وتَعْلِيقِهَا؟! بل والتَّعلُّقِ عليهم، والاسْتِعاذةِ بِهِم، والذَّبْحِ لهُمْ، وسُؤالِهم كَشْفَ الضُّرِّ، وجَلْبَ الخيرِ ممَّا هو شِرْكٌ مَحْضٌ، وهو غالبٌ عَلَى كَثِيرٍ من النَّاسِ إلَّا مَن سَلَّمَ اللهُ، فتأمَّلْ ما ذَكَرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما كانَ عليهِ أصحابُهُ والتَّابعونَ، وما ذكرَهُ العلماءُ بعدَهُم في هذا البابِ وغيرِهِ من أبوابِ الكتابِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى ما حَدَثَ في الخُلُوفِ المُتأخِّرةِ، يَتَبيَّنْ لكَ دِينُ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغُرْبَتُهُ الآنَ في كُلِّ شيءٍ، فاللهُ المُسْتَعانُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت