فهرس الكتاب
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ جَمَلَ أَخِيهِ عَلَى أَنْ يُعطِيَهُ النِّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ، وَله النِّصْفُ، حَتَّى إِن أَحَدَنا لَيَصِيرُ له النَّصْلُ وَالرِّيشُ، وَالآخَرِ القِدْحُ. ثُمَّ قالَ: قالَ لِي رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِر النَّاسَ أنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وترًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ )) ثُمَّ رَواهُ أحمدُ عن يَحْيَى بنِ غَيْلانَ، ثَنَا المُفَضَّلُ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بنُ عَبَّاسٍ أنَّ شُيَيْمَ بنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ شَيْبَانَ القِتْبانِيَّ يقولُ: اسْتَخْلَفَ مَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ رُوَيْفِعَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ عَلَى أسفلِ الأرضِ، قالَ: فَسِرْنَا مَعَهُ، فقالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديثَ. وفي الإسنادِ الأوَّلِ ابنُ لَهِيعةَ، وفيه مَقالٌ، وفي الثَّاني شَيْبانُ القِتْبانيُّ، قِيلَ فيه: مَجْهولٌ، وبقيَّةُ رجالِهِمَا ثِقاتٌ. ورَواهُ أبو داودَ من طريقِ المُفَضَّلِ بهِ مُطَوَّلًا وسَكَتَ عليهِ، ثُمَّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بنُ خالدٍ، أَنَا مُفَضَّلٌ عن عَيَّاشٍ أنَّ شُيَيْمَ بنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ أيضًا بهِذا الحديثِ عن أَبِي سالِمٍ الجَيَشَانِيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو يَذْكُرُ ذلكَ وهو مَعَهُ مُرابِطٌ بِحِصْنِ بابِ أَلْيُونَ. قالَ أَبُو داودَ: حِصْنُ أَلْيُونَ بالفُسْطاطِ عَلَى جَبَلٍ.
قُلْتُ: وهذا إسنادٌ جيِّدٌ. رَواهُ النَّسائيُّ مِن رِوايةِ شُيَيْمِ عن رُوَيْفِعٍ، وصَرَّحَ بسماعِهِ منه ولم يَذْكُرْ شَيْبَانَ، فإن كانَ ذكَرَ شَيْبَانَ وَهْمًا فالإسنادُ صحيحٌ، وحَسَّنَهُ النَّوَوِيُّ، وصَحَّحَهُ بعضُهُم. قالَ الحافظُ أبو زُرْعةَ في (( شَرْحِ أبي داودَ ) ): ورَواهُ الطَّحاوِيُّ مُخْتَصَرًا فذكَرَ منه الاستنجاءَ برَجِيعِ دابَّةٍ أو عَظْمٍ فَقَطْ. ورَواهُ محمَّدُ بنُ الرَّبِيعِ الجِيزِيُّ في كِتابِ مَنْ دَخَلَ مصرَ مِن الصَّحابةِ أوَّلًا، وفيه أنَّ مَن عَقَدَ لِحْيتَهُ في الصَّلاةِ.
قولُهُ: (فَأَخْبِرِ النَّاسَ) دَليلٌ عَلَى وُجوبِ إخبارِ النَّاسِ بذلِكَ عَلَى رُوَيْفِعٍ، ولَيْسَ هذا مُخْتَصًّا بهِ، بل كلُّ مَن كانَ عندَهُ علمٌ ليسَ عندَ غيرهِ ممَّا يَحْتَاجُ إليه النَّاسُ وَجَبَ عليهِ تبليغُهُ للنَّاسِ، وإعلامُهُم بهِ فإن اشْتَرَكَ هو وغيرُهُ في عِلْمِ ذلك، فالتَّبليغُ فَرْضُ كِفايةٍ. هذا كلامُ أَبِي زُرْعةَ.
قولُهُ: (لَعَلَّ الْحَياةَ تَطُولُ بِكَ) عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ؛ لأنَّهُ وَقَعَ كمَا أَخْبَرَ بهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ رُوَيْفِعًا طالَتْ حياتُهُ إلى سنةِ سِتٍّ وخمسينَ، فماتَ فيها ببَرْقَةَ من أعمالِ مِصْرَ أَمِيرًا عليها، وهو مِن الأنصارِ. وقِيلَ: ماتَ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ. قالَهُ ابنُ يُونُسَ.
قولُهُ: (إنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتُه) . بكسرِ اللامِ لا غيرُ، قالَهُ في (( المَشَارِقِ ) )والجمعُ لِحًى، بالكسرِ والضَّمِّ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ.
قالَ الخَطَّابيُّ: وأمَّا نَهْيُهُ عن عَقْدِ اللِّحْيةِ، فإنَّ ذلك يُفَسَّرُ عَلَى وجهينِ:
أحدُهُمَا: ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ من ذلك في الحُروبِ، كانَوا في الجاهِلِيَّةِ يَعْقِدُونَ لِحاهُم، وذلك مِن زِيِّ بعضِ الأَعاجِمِ يَفْتِلُونَهَا ويَعْقِدُونَهَا.
قُلْتُ: كأنَّهُم كانُوا يَفْعَلُونَهُ تَكَبُّرًا وعُجْبًا، كمَا ذَكَرَهُ أبو السَّعاداتِ.
قالَ: ثانيهِمَا: أنَّ مَعْناهُ مُعالجةُ الشَّعَرِ لِيَتَعَقَّدَ ويَتَجَعَّدَ، وذلك مِن فعلِ أهلِ التَّوْضِيعِ والتَّأْنِيثِ. وقالَ أبو زُرْعةَ ابنُ العِراقِيِّ: والأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى عَقْدِ اللِّحْيةِ في الصَّلاةِ كمَا دَلَّتْ عليهِ رِوايةُ محمَّدِ بنِ الرَّبِيعِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا، فهو مُوافقٌ للحديثِ الصَّحيحِ في النَّهْيِ عن كَفِّ الشَّعَرِ والثَّوبِ، فإنَّ عَقْدَ اللِّحْيةِ فيه كَفُّها وزِيادةٌ.