الصفحة 12 من 218

[جواهر الأدب: 12]

فإن قلت: إنهم قالوا: الله لأفعلن أو لا أفعل كذا، وجروا المقسم به بالهمزة، ولولا هي لكان منصوبًا، فكيف أعملت؟،

قلنا: إن العمل لحرف القسم لا للهمزة، وهي نائبة عنه، كمثل ها في قولهم: ها الله، بالجر أيضًا، فهي نائبة عنه.

فإن قلت: إن حرف الجر لا يعمل محذوفًا فكيف عمل فيهما؟

قلنا: إنه قد أعمل محذوفًا كما ورد في جواب من سأل كيف أصبحت؟ فقال: خير، أي: بخير، وإنه إذا حكم أنه لا يعمل ففي كلام لا يقام غيره نائبًا عنه، وها هنا قد أقيم له نائب كما قالوا في إعمال رب محذوفة لنيابة بل ونحوها عنها في قوله: بل بلد ملء الفجاج قتمه، أي: رب بلد.

المبحث الثالث: أصل الهمزة لطلب فهم ما بعدها؛ لأن أصل باب الاستفعال السؤال، وحقها أن يليها ما يتوجه السؤال إليه، فإذا سئل عن فاعل الضرب يقال: أزيد ضرب عمرًا، وعن المفعول: أعمرًا ضرب زيد، وعن الفعل: أضرب زيد عمرًا، وقد يعدل بها عن ذلك لمعان تعرض سواها:

أولها: التسوية فإنها تفيدها مع أم، فيعود الكلام خبرًا محتملًا للصدق والكذب، كقولك: سواء عليَّ أفعلت أم لا، فبعضهم خصها بلفظة سواء وما رادفها، وقال بعضهم: إنها تأتي في أربع صور مثل: سواء علي أقمت أم قعدت، وقوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} ، وما أبالي أرضيت أم سخطت، ولا أدري أأقام زيد أم رحل، وليت شعري أشكر أم كفر، ولا وجه لحصره في عدد، بل متى دل الكلام على التسوية حكم بها، ولا يجوز عطف الثاني على الأول بأو عوضًا عن أم، واتفقوا على ضعف قراءة ابن محيصن من طريق الزعفراني: (سواء عليهم أأنذرتهم أو لم تنذرهم) ، وأما إذا ذكرت الهمزة مع أم عند طلب تعيين ما يقع السؤال عنه عند جزم الذهن بنسبته إلى أحدهما، ويقع الاستفهام عن تعيينه فهي باقية على أصلها وإن حكم أنها للتسوية أيضًا.

ثانيها: الإنكار، وهو الذي يطلب به إبطال ما يذكر بعدها، وتكذيب مدعى من يدعي به، وقيل: فالأولى تسميتها بالنافي، تقول: أأنا فعلت، أي: ما فعلت، فصار ما يقع بعده مثبتًا منفيًا ومنفيًا مثبتًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت