فهرس الكتاب
جرًا، وأجيب بأنه منع من حملها على الأصل مشابهتها الخاصة بالأفعال المتعدية العامة رفعًا ونصبًا، فأعملت عملها، وقيل: إن ما دخلت عليه حروف الجر قد يكون قبل مرفوعًا نحو: ما جاءني من أحد، وقد يكون منصوبًا نحو: عرفت به، فعملت عملًا لا يوجد إلا عند وجودها، ولا يفقد إلا عند عدمها ليعرف تأثره بها، ولا يكون موجودًا عند عدمها.
وقيل: إنها لما كانت تزاد في الفاعل تارة وفي المفعول أخرى وجب أن يكون أثرها متوسطًا بين أثريهما، فعملت الجر المتوسط بين ثقل أثر الفاعل وهو الرفع، وخفة أثر المفعول وهو النصب، وبقيت الباء لأنه مستحقها بالجر فيه لا سيما ويه أحادية، وحركت لأنها قد تقع في أول الكلام، ولا يبتدأ بالساكن، وكانت مكسورة لتناسب حركتها عملها، ولم يكسروا الكاف، وإن عمل الجر قالوا؛ لأنه لم يلازم الحرفية لوقوعه اسمًا، وفيه نظر، وحكى أبو الفتح أن أصل حركتها مع الظاهر الفتح عند بعضهم، والأصل في معانيها الإلصاق إمّا حقيقة نحو: ألصقت هذا بهذا، وإمَّا مجازًا نحو: مررت بزيد، أي: ألصقت مروري بالمكان الذي يقرب من مكانه، ومنه بسم الله، وكذا قولهم: حملته بطراز مدح، ومنه استعمالها في باب القسم، وهي قولك: أقسمت بالله، والاستعطاف نحو: بحياتك أخبري، وسمى الاسفرائيني الباء الواقعة في مثل هذه الأمثلة مكملة للفعل، وقد استعملت لمعان أخرى، لكن الإلصاق ملاحظ فيها.
أولها: للتعدية مؤدية معنى همزة النقل، كقوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} ، وقد يكون الفعل قبلها لازمًا كهذا المثال، ومتعديا نحو: صككت الحج بالحجر، أصله: صك الحجر الحجر، قيل: ولا تقع باء التعديَّة مع مجرورها ظرفًا مستقرًا مطلقًا، وكذا المكملة، وأجاز الإسفرائيني كونها مستقرة في الأخبار نحو الذي به ضعف، قال القالي: وفيه نظر؛ لأنه إذا جاز: أبه داء، والظرف مستقر، فكذلك يجوز: هل به داء، وإن أراد أنه لا يكون مستقرًا إلا أن يكون خبرًا للمبتدأ، فبقوله: إلا أن يكون الكلام خبرًا يأباه، واعلم أن الفرق بين المكملة والمعدية أن الفعل إن اقتضى بنفسه متعلقًا فالباء مكملة له كالقسم والابتداء
[جواهر الأدب: 16]
والمرور لاقتضائها مقسمًا به، ومبتدأ به، ومرورًا به، وإن لم تقتض متعلقًا بنفسه بل بعروض إرادة الفعل وإيصال أثره إلى شيء آخر لم يحصل قبل، نحو: خرجت، فإنه دل على خروجك ولم يتقض مخرجًا، فإذا أردت النقل أتيت بالباء لفائدة محدودة لا يقتضيها الفعل نفسه، ولهذا كانت الباء في مررت بزيدٍ، والمرور بمعنى الرجوع معدية، وإذا لم يكن بمعناه مكملة، ويوضح الفرق بينهما قوله: