فهرس الكتاب
بقولك: إن يكن منك قيام فإكرام مني، فنصبها الفعل بتقدير أن، وكذا إذا عطفت مضارًعا على اسم، فإنها تنصبه بتقدير أن أيضًا، وأما
[جواهر الأدب: 24]
الفاء في غير هذين الموضعين فهي عاملة مطلقًا، ولها مواقع:
أحدها: العاطفة، فتشرك الثاني في إعراب الأول، هذا في المفردات، وأما في عطف الجملة على الجمل فهي للاستئناف، وتعطف لاحقًا على سابق تقدمه مرتبًا بلا مهلة بينهما، والترتيب يكون حسًا، كقولك: توضأت فصليت، وقد يكون حكمًا نحو: دخلت مدينة كذا فكذا، وقيل: إنها لا ترتب بين المشتركات في المحل والمطر، فيقال: عفا مكان كذا فكذا، أو مطر مكان كذا فكان كذا، وإن كان المعطوفان وجدا معًا، واستمرار مدة حصول المترتب وطوله لا ينافي الترتيب ولا يخرج عنه، كقوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة} ، فإن اخضرار الأرض مبتدأ بعد نزول المطر، وإنما يتم بمدة ومهلة، فجيء بالفاء نظرًا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار، ولو قيل: ثم تصبح الأرض مخضرة، نظرً إلى تمام الاخضرار لجاز، ويتضح من قوله تعالى: {جعلناه نطفة في قرارٍ مكين ثم خلقنا النطفة علقة} ، نظرًا إلى تمام صيرورة النطفة علقة، ثم قال: {فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا} نظرًا إلى ابتداء كل طور، ثم قال: {ثم أنشأناه خلقًا آخر} ، إمَّا نظرًا إلى تمام الطور الأخير، وإمَّا استبعاد لهذا الطور الذي فيه كمال الإنسانية بالنسبة إلى الأطوار المتقدمة، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد يفقد الترتيب فيها فتفيد الجمعية فقط كالواو، كقوله:
بين الدخول فحومل.
ويقال: دخلت مدينة كذا فمدينة كذا، أي: أنه لم يشتغل بعد دخول الأولى بأمر الدخول إلى الثانية، والغالب كون المعطوف بها مسببًا، والمعطوف عليه سببًا له، كقوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} ولا تنافي بين السببية والعطف، فقد تفيد السببية، وهي مع ذلك عاطفة كالمثال المذكور، وقولهم: يقوم زيد فيغضب عمرو، ولكن لا تلازم السببية العطف نحو: إن لقيته فأكرمه، وقد يعطف بها