فهرس الكتاب
يا هاك ذات المنطق التمتام = وكفك المخضب البنام
يريد البنان، فإنما سوغه ملاحظة ما فيها من الغنة والهوى كالنون، وبناء على هذا جمعوا بينهما في القوافي فقالوا:
يطعنها بخنجر من لحم = دون الدبابي في مكان سخن
ومثل هذا كثير، لكن القانون ما ذكر، وأما إبدال الميم من الباء فقد رواه أبو علي بإسناده إلى الأصمعي قال: يقال: بنات مخر، وبنات بخر، وهن سحائب يأتين قبيل الصيف بيض منتصبات في السماء، قال طرفة:
كبنات المخر يمأدن إذا = أنبت الصيف عساليج الخضر
قال أبو علي: كان أبو بكر محمد بن السري يشتق هذه الأسماء من البخار، وهذا كله دليل إبدال الباء ميمًا، ولو ذهب ذاهب إلى أن الميم في مخر أيضًا أصل غير مبدلة على أن يجعله من قوله تعالى: {وترى الفلك فيه مواخر} ، وذلك أن السحاب كأنها تمخر البحر لكان عندي مصيبًا، ويؤكده قول أبي ذؤيب في وصف السحاب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت = متى لجج خضر لهن نئيج
[جواهر الأدب: 40]
لأنه يشعر أن السحاب تمخر البحر، وأخبرنا أبو علي قال: يقال: ما زلت راتمًا على هذا واتبًا، أي: مقيمًا، فالظاهر من أمر هذه الميم أن لا تكون بدلًا من باء راتب؛ لأنا لم نسمع في هذا الموضع رتم مثل رتب، تحتمل هذه الميم عندي أن تكون أصلًا غير بدل من الرتيمة، وهو شيء كان أهل الجاهلية يرتمونه بينهم، وذلك أن الرجل منهم كان إذا أراد سفرًا عمدا إلى شجرة فيعقد غصنين منها، فإن رجع وكانا معقودين بحالهما قال: إن امرأته لم تخنه، وإن رأى الغصنين قد انحلا قال: إن امرأته خانته، قال الراجز:
هل ينفعنك اليوم إن هممت بهم = كثرة ما توصى وتعقاد الرتم
والرتمة أيضًا: خيط يشد في الاصبع ليذكر الرجل به حاجته، وكلا هذين المعنيين تأويله الإقامة والثبوت، فيجوز أن يكون راتم من هذا المعنى، وإذا أمكن أن تتأول اللفظة على ظاهر لم يسغ العدول عنه إلى