الصفحة 70 من 218

آخره مفتوحًا ومضمومًا فجعلوا بين آخر الفعل وياء ضمير المتكلم حرفًا تقع الكسرة عليه، وبقي الفعل عن مباشرة الكسرة فأتوا بهذه النون، ولذلك سميت نون الوقاية، فدخلت على الأفعال الماضية المتصرفة عمومً وجوبًا، وكذا على فعل التعجب نحو: ما اضربني، وأما ليس وعسى فإنهما لما أشبها الحرف بالجمود وعدم التصرف حتى ذهب بعض النحاة إلى أنهما حرفان، جاز فيهما إلحاق النون وإسقاطها؛ لأن الحرف لا يمتنع من دخول الكسر عليه بناء نحو: لي، وبي، وجير، فقد وردا مجردين عنها شذوذًا، كقوله:

عددت قومي كعديد الطيس = إذ ذهب القوم الكرام ليسي

وعساي وغير مجردين، كقولك: ليسني وعساني، وأما فعل الأمر فإنها دخلت عليه في جميع أقسامه بمباشرة آخر الفعل نحو: أكرمني وأكرمنني، وتتوسط الضمائر المتصلة البارزة نحو: أكرماني وأكرموني وأكرميني، فلم يختلف في ذلك شيء منها، وأما المضارع فإما أن يكون من الأمثلة الخمسة التي هي: يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين، أو غيرها فغيرها لابد فيه من دخول نون الوقاية نحو: يركمني، وتكرمني، وأما الأمثلة الخمسة فإن كان في حال سقوط النون بجازم أو ناصب فكذلك نحو: لم يكرماني، ولن يكرماني، وإن كان عند وجود النون فيها فيجوز إلحاق النون طردًا للباب، فيجتمع فيه نونان: الأولى للإعراب، والثانية للوقاية، وفيها حينئذٍ ثلاثة مذاهب: أحدها: الإدغام، وثانيها: إبقاؤهما مع الفك، وثالثها: حذف إحداهما والاكتفاء بالأخرى، واختلف في أن الباقية أيتهما هي، فقال الأخفش: إنها نون الإعراب؛ لأن الإتيان بنون الوقاية إنما كان ليمتنع الفعل من دخول الكسر، ووجود نون الإعراب مما يحصل به المقصود، فيستغنى عن إلحاق نون الوقاية وبقاء شيء

[جواهر الأدب: 69]

كان موجودًا يغني عنها أولى، وقيل: إن الباقية هي نون الوقاية.

قال ابن مالك: وعلى هذا اعتمد المحققون، وإن كان القائلون بالأول هم الأكثر، وهذا مذهب سيبويه، واستدل لترجيحه بأن نون الإعراب نائبة عن الضمة، وكلاهما جائز الحذف دون موجب، ونون الوقاية لا تحذف، فالحكم بالحذف على ما يجوز حذفه وحذف منوبه دون موجب أولى مما لا يجوز حذفه، وإن إبقاء نون الإعراب يعرضها لكسرها بعد الياء والضم مع الواو والحذف عند وجود عامل نصب أو جرم، ولا كذلك نون الوقاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت