الصفحة 89 من 218

قلت: لأن القلب والنقل خلاف الأصل، وكل ما كان خلاف الأصل يحوج إلى دليل، واعلم أنهم قد ذكروا أنها قد تقع متصلة ومنفصلة، والمتصلة هي التي يفتقر المعطوفان بها إلى الذكر، ولا يستغنى أحدهما عن الآخر، وبهذا سميت متصلة، وقد ذكروا لها ثلاثة شروط:

أحدها: استواء المعطوفين في النسبة، فيحكم الذهن بحصولها لأحدهما لا بعينه.

وثانيها: أن يلي أحد المتساويين الهمزة والآخر أم، ولهذا قيل لها المعادلة أيضًا.

وثالثها: أن يقع السؤال بها لطلب تعيين المحكوم عليه، وذلك نحو: أزيدٌ عندك أم عمرو، إذا كنت حاكمًا أن أحدهما عند، وتسأله عن تعيين الكائن عنده، ولذلك قالوا: إن علامتها أن يجوز إيقاع أيهما مكانها، فيقال: أي الرجلين عندك، فيجب أن يكون مصحوباهما إمَّا اسمين، كقولك: أزيدٌ عندك أم عمرو، أو فعلين لفاعل واحد، كقولك: أقام زيدٌ أم قعد، وقد يكون فاعلاهما متباينين، كقول الشاعر:

[جواهر الأدب: 87]

لا أبالي أناب بالحزن تيس = أم جفاني بظهر غيب لئيم

قال ابن مالك: ولا يمتنع كونهما جملتين ابتدائيتين إذا كان معنى الكلام ما أدري أبعض التيوس ناب أم بعض اللئام ثاب، وأنشد:

ولست أبالي بعد فقدي مالكًا = أموتي ناء أم هو الآن واقع

ولا يجوز أن تقع بعدها جملة مستقلة لأن الواقع بعدها وبعد الهمزة في حكم أي، وهي كالمبتدأ المفرد والواقع بعدها كخبر عنه، فيجب إفراده لأنها حينئذٍ طائفة، وإنما جاز أتقوم أم تقعد؛ لأنهما في حكم المفرد؛ لأنه مسند به، وإنما قدرت الهمزة، وأم بأي لأنهما بمنزلتها في التعيين، ولا تقع في التسوية المعادلة بين جملتين ألا وهما فعليتان، فلا يقال: سواء علي أزيد قائم أم عمرو قاعد، وقد يحذف المعادل الثاني وتقام لا مقامه نحو: سواء عليّ أقمت أم لا، ثم ليعلم أن المراد بالهمزة إمَّا لفظًا وإمَّا تقديرًا، فإنه قد وردت الهمزة محذوفة مقدرة، وقد نبهنا عليه من قبل في فصل الهمزة، منه قراءة ابن محيصن: (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم) بهمزة واحدة، وقد قدمناه، وقد ذكرنا أنها إذا استعملت للتسوية زال عنها معنى الاستفهام، وصارت للخبر فلا تقتضي جوابًا والغالب كون الفعل بعدها ماضيًا، وقد يقع مضارعًا نحو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت