فهرس الكتاب
(قولُه: الأصَحُّ من مذهَبِنا أن الكفْرَ كلَّه إلخ) فيَتوارَثُ الكفَّارُ بعضُهم من بعضٍ إلا ما سيأتي استثناؤُه, ولو اختلَفَتْ أديانُهم كاليهودِ والنَّصَارَى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوثانِ, فإن قيلَ: كيفَ يُتصوَّرُ ذلك مع أنَّ مَن انتقَلَ من دِينٍ لآخَرَ غيرِ الإسلامِ لا يُقَرُّ عليه؟ أُجيبَ بأن له صُوَرًا منها الولاءُ كأن يُعْتِقَ يهوديٌّ نصرانيًّا, ومنها النكاحُ كأن يَنكِحَ نصرانيٌّ يهوديَّةً, ومنها أن يكونَ أحدُ أبوَيْه يَهوديًّا والآخَرُ نصرانيًّا فيَتخيَّرُ الولدُ بينَهما بعدَ بلوغِه, كما جَزَمَ به الرافعيُّ حتى لو جاء لهما وَلَدَان كان لأحدِهما أن يَختارَ اليهوديَّةَ وللآخَرِ أن يَختارَ النصرانيَّةَ ففي هذه الصورةِ يَتحقَّقُ التوارُثُ بالأبوَّةِ والأمومةِ والإخوَّةِ مع الاختلافِ باليهوديةِ والنصرانيَّةِ أفادَه في اللؤلؤةِ نقلًا عن شيخِ الإسلامِ.
(قولُه: والثاني مِلَلٌ) وعليه فلا يَتوارَثُ أهْلُ الْمِلَلِ بعضُهم من بعضٍ فلا يَرِثُ اليهوديُّ النصرانيَّ وبالعكسِ وقولُه: والنصارَى مِلَّةٌ إلخ كان الأَوْلَى أن يقولَ والنصرانيَّةُ مِلَّةٌ واليهوديَّةُ مِلَّةٌ وما عداهما مِلَّةٌ إلا أن يُقَدَّرَ مضافٌ أي: ودِينُ النصارَى مِلَّةٌ ودِينُ اليهودِ مِلَّةٌ ودينُ مَن عداهما مِلَّةٌ, وهذا أحَدُ قولين عندَ المالكيَّةِ, وهو ما نقَلَه ابنُ عبدِ السلامِ عن مالكٍ, وتَبِعَه عليه العلَّامَةُ خليلٌ, وعليه فيَقَعُ التوارُثُ بينَ المجوسِ وعُبَّادِ الشمسِ مثَلًا وثاني القولين ما ذكَرَه ابنُ مرزوقٍ عن أكابِرِ المذهَبِ, واعتمَدَه الأجهوريُّ أن اليهوديَّةَ مِلَّةٌ والنصرانيَّةَ مِلَّةٌ وما عداهما مِلَلٌ كثيرةٌ, فالمجوسيَّةُ ملَّةٌ وهَلُمَّ جرًّا وعليه فلا يَقَعُ التوارُثُ بينَ المجوسِ وعُبَّادِ الشمسِ مَثلًا.
(قولُه: ولكلٍّ من القولين دليلٌ مذكورٌ في المطوَّلاتِ) فدليلُ مَن قالَ بأن الكفْرَ كلَّه ملَّةٌ واحدةٌ قولُه تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} وقولُه تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} وقولُه تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ودليلُ من قالَ بأن الكفْرَ كلَّه مِلَلٌ قولُه تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ) . وأجابَ الأُوَلُ بأن معنى الآيةِ: ولكُلِّ مَن دَخَلَ دينَ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ جعَلْنا له القرآنَ شِرعةً ومِنهاجًا كما قالَه مجاهِدٌ, وبأن المرادَ بالملتين في الحديثِ الإسلامُ والكفْرُ بدليلِ أنَّ في بعضِ طرُقِه زيادةَ: (( فلا يَرِثُ المسلِمُ الكافرَ ) )ا. هـ شرْحُ الترتيبِ بتصرُّفٍ.
(قولُه: الفائدةُ الثانيةُ) ذكَرَ فيها بقيَّةَ الموانعِ الستَّةِ كما هو التحقيقُ في عَدِّها وما زاد عليها فتسميتُه مانعًا فيه تساهُلٌ كما تَقدَّمَ.
(قولُه: بَقِيَ من موانِعِ الإرثِ ثلاثةٌ أيضًا) أي: كما أن ما ذكَرَه المصنِّفُ ثلاثةٌ فيكونُ المجموعُ ستَّةً وقد عرَفْتَ ما في الزائدِ.
(قولُه: أحدُها اختلافُ ذوي الكفْرِ الأصليِّ إلخ) قضيَّتُه وإن لم تَختَلِف الدارُ وعليه فلو عَقَدَ الإمامُ الذمَّةَ لطائفةٍ قاطنةٍ بدارِ الحرْبِ لم يَتوارَثوا مع أهلِ الحرْبِ, لكنْ قَيَّدَه الصيمريُّ في شرْحِ الكِفايةِ بكونِ أهْلِ الذمَّةِ بدارِنا, وعليه ففي المسألةِ المذكورةِ يَتوارَثُ أهْلُ الذمَّةِ مع أهْلِ الحرْبِ لكونِهم قاطنين بدارِهم قالَ الأَذْرَعيُّ: ويَجوزُ تنزيلُ الإطلاقِ على الغالِبِ فلا مخالَفةَ واعلَمْ أن اختلافَ الدارِ ليس بمانِعٍ عندَنا بينَ الحربيِّين, فيَرِثُ الحربيُّ الروميُّ من الحربيِّ الهنديِّ خلافًا لأبي حنيفةَ ا. هـ شرْحُ