فهرس الكتاب
يُشترَطُ في ذلك انتظامُ بيتِ المالِ؛ لأن انتظامَه إنما هو شرْطٌ في الإرْثِ لا في الفَيْءِ فلو خلَّفَ عمَّةً مثلًا أو بنتًا فالمالُ كلُّه في الأُولى, والباقي بعدَ نصْفِ البنتِ في الثانيةِ لبيتِ المالِ, ولا شيءَ للعمَّةِ, ولا رَدَّ على البنتِ كما قالَه الشرْحُ في شرْحِ الترتيبِ, قالَ: ولا شكَّ في ذلك وإن توقَّفَ فيه بعضُ العصريِّين, وادَّعَى أن البنتَ تأخُذُ الباقيَ ردًّا, وأن العمَّةَ مَثلًا تأخُذُ الجميعَ معلَّلًا بأنَّا لم نَجِدْ أحدًا خَصَّ الردَّ بالمسلِمِ إذا كان بيتُ المالِ غيرَ منتظِمٍ, وجوابُه ما تَقدَّمَ ا. هـ أفادَه في اللؤلؤةِ.
(قولُه: الثالثُ وهو آخِرُ الموانِعِ الستَّةِ الدَّوْرُ الحُكْمِيُّ) عُلِمَ من اقتصارِه على الموانِعِ الستَّةِ أنه لو كان الموروثُ صَيْدًا, والوارثُ مُحرِمًا لا يَمتنِعُ إرثُه وهو كذلك على الأصَحِّ والدَّوْرُ الرجوعُ للمبدأِ كالدائرةِ التي لا يُدْرَى أين طرَفَاها, وقيل له: الحُكْمِيُّ. لتعلُّقِه بالأحكامِ وخَرَجَ به الدَّوْرُ الكونِيُّ والدوْرُ الحسابيُّ فالدوْرُ الكونِيُّ أي: التعلُّقُ بالكونِ الذي هو الوجودُ, توقَّفَ كونُ كلٍّ مِن الشيئين على كونِ الآخَرِ, وهذا هو الواقعُ في فنِّ التوحيدِ, والمستحيلُ منه السبْقِيُّ, وهو ما يَقتضي كونَ الشيءِ سابقًا مسبوقًا, كما لو فرَضْنا أن زيدًا أوْجَدَ عَمْرًا, وأن عَمْرًا أوْجَدَ زيدًا؛ فإنَّ ذلك يَقْتضِي أنَّ زيدًا سابِقٌ من حيث كونُه مؤثِّرًا مسبوقٌ من حيث كونُه أَثَرًا وكذلك عَمْرٌو بخلافِ المَعِيِّ كالأبوَّةِ مع البُنوَّةِ, والدَّوْرُ الحسابيُّ, أي: المتعلِّقُ بالحسابِ, توقَّفَ العلْمُ بأحَدِ المقدارَيْن على العلْمِ بالآخَرِ, ولذلك يُقالُ له: الدَّوْرُ العلميُّ وهذا دوْرٌ في الظاهِرِ فقط لجوازِ أن يَحصُلَ العلْمُ بشيءٍ آخَرَ غيرِهما ففي الحقيقةِ لا دوْرَ إلا إذا أردْتَ علْمَ أحدِهما من الآخَرِ, ومثالُ ذلك ما إذا وهَبَ أحدُ مريضين للآخَرِ عبدًا فوهَبَه الثاني للأوَّلِ, ولا مالَ لهما غيرُه, وماتا فلا يُعلَمُ ما صَحَّ فيه هبةُ كلٍّ منهما وقدْرُ ما رجَعَ إليه إلا بعْدَ العلْمِ بالآخَرِ؛ لأن هِبةَ الأوَّلِ صحَّتْ في ثلُثِ العبْدِ فصارَ مالًا للثاني, ولما ورَدَتْ عليه هِبةُ الثاني صحَّتْ في ثلُثِ الثلُثِ فصارَ ثلُثُ الثلُثِ المذكورِ من مالِ الأوَّلِ فتَسْرِي إليه الهبةُ فليُرَدُّ ثلُثُه للثاني بالهبةِ, ثم يُرَدُّ بهبةِ الثاني ثلُثُ ما رَدَّ لسريانِ هبتِه فيه, وهكذا فلا يَقِفُ على حَدٍّ في التَّرْدادِ بينَهما, ويَحصُلُ العلْمُ بطريقِ الجبْرِ والمقابَلةِ, وبيانهُ أن تقولَ صحَّتْ هبةُ الأوَّلِ في شيءٍ من العبْدِ فبقِيَ عندَه عبدُ الأشياءِ وصحَّتْ هبةُ الثاني في ثلُثِ ذلك الشيءِ فصارَ مع الأوَّلِ عبدٌ إلا ثلثَيْ شيءٍ؛ لأن ثلُثَ الشيءِ رجَعَ له بهبةِ الثاني فبَقِيَ عندَه ثلُثَا الشيءِ, ويُضَمُّ ثلُثُ الشيءِ لما عندَ الأوَّلِ فيكونُ معه عبدٌ إلا ثلُثَىْ شيءٍ, ومعلومٌ أنه لابدَّ من أن يكونَ الباقي مع الواهبِ يَعْدِلُ ضعْفَ ما صحَّتْ فيه هبتُه, وقد قلنا: صحَّتْ هبةُ الأوَّلِ في شيءٍ مجهولٍ من العبْدِ بقطْعِ النظَرِ عن هبةِ الثاني وحينئذٍ فنقولُ ما بَقِيَ مع الأوَّلِ وهو عبدٌ إلا ثلُثَيْ شيءٍ يَعْدِلُ شيئين هما ضعْفُ ما صحَّتْ فيه هِبتُه أي: يساويهما وبعدَ ذلك فاجْبُرْ كلًّا من الطرفين بإزالةِ النقْصِ بأن تَرُدَّ المُسْتَثْنَى على الجانبين فتَجْعَلَ الطرَفَ الأوَّلَ وهو ما بَقِيَ مع الأوَّلِ عبدًا كاملًا, وتَجعلَ الطرَفَ الثانيَ شيئين وثلُثَيْ شيءٍ فتقولَ: عبدٌ كاملٌ يُقابِلُ شيئين وثلُثَيْ شيءٍ. ثم تَبْسُطَ الشيئين أَثْلَاثًا من جنسِ الكسْرِ أعنِي ثلُثَيْ شيءٍ فصارَ هذا الطرَفُ ثمانيةً؛ كلُّ واحدٍ منهما ثلُثُ شيءٍ, وبعدَ ذلك فاقْسِم الطرَفَ الأوَّلَ وهو العبْدُ الكاملُ على الثمانيةِ التي كلُّ واحدٍ منها ثلُثُ شيءٍ يَخرُجُ لكلِّ ثلُثِ شيءٍ ثُمُنُ العبْدِ فيُعْلَمُ أن ثلُثَ الشيءِ ثُمُنُ العبْدِ وأن الشيءَ ثلاثةُ أثمانِ العبدِ فيكونُ معنى قولِنا: صحَّتْ هبةُ الأوَّلِ في الشيءِ أنها صحَّتْ في ثلاثةِ أثمانِ العبدِ ومعنى قولِنا: فبَقِيَ عندَه عبدُ الأشياءِ أنه بقِيَ عندَه خمسةُ أثمانِ العبْدِ ومعنى قولِنا: صحَّتْ هبةُ الثاني في ثلُثِ ذلك الشيءِ أنها صحَّتْ في ثلُثِ الثلاثةِ أثمانٍ, وهو ثُمُنٌ ومعنى قولِنا: فصارَ مع الأوَّلِ عبدًا, لا ثلثَيْ شيءٍ أنه صارَ مع الأوَّلِ ستَّةَ أثمانٍ وهي ضعْفُ ما صحَّتْ فيه هبتُه؛ لأنها صحَّتْ في ثلاثةِ أثمانٍ وضعْفُها ستَّةُ أثمانٍ ومعنى قولِنا: فبقِيَ عندَه أي: الثاني ثلُثا الشيءِ أنه بَقِيَ عندَه ثُمُنَان وهماِ ضعْفُ ما صَحَّتْ فيه هبتُه؛ لأنها صحَّتْ في ثُمُنٍ وضعفُه ثُمُنان فقد بَقِيَ لورثةِ كلٍّ من المريضين ضعْفُ ما صحَّتْ فيه هبتُه أفادَه العلَّامَةُ الأميرُ بزيادةِ إيضاحٍ وبه يَتَّضِحُ ما في اللؤلؤةِ عن شيخِ الإسلامِ في شرْحِ الكفايةِ.