(قَوْلُهُ: أَسْكَنَ اللَّهُ مُؤَلِّفَهَا) ، جملةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إِنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى، قَصَدَ بها الشارحُ إِنْشَاءَ الدعاءِ لِلمُؤَلِّفِ.
وقولُهُ: (الغُرَفُ) ، جَمْعُ غُرْفَةٍ بِضَمِّ الأوَّلِ وَفَتْحِ الثانِي فِي الجمعِ وَسُكُونِهِ في المُفْرَدِ، وهوَ المَنْزِلَةُ العاليَةُ، وَتُجْمَعُ أيضًا على غُرُفَاتٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا.
وقولُهُ: (العَلِيَّةَ) ، صِفَةٌ كَاشِفَةٌ إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى العَالِيَةِ؛ لأنَّ مِنْ شأنِ الغُرَفِ أنْ تكونَ عَالِيَةً، فإنْ كانتْ بِمَعْنَى الزائدةِ في العُلُوِّ لِكَوْنِهَا صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ كَانتْ صِفَةً مُخَصِّصَةً، فكأنَّهُ قَالَ: أَسْكَنَهُ اللَّهُ الأَمْكِنَةَ العاليةَ الزائدةَ في العُلُوِّ على غيرِهَا.
(قَوْلُهُ: فَأَجَبْتُهُ) ، مَعْطُوفٌ على سَأَلَنِي، والفَاءُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّعْقِيبِ، وهوَ ظَاهِرٌ إِنْ كانت الإجابةُ بالوعْدِ، وكذا إنْ كانتْ بالشروعِ؛ لأنَّ التعقيبَ في كُلِّ شيءٍ بِحَسَبِهِ، ولم يُؤَخِّرْ لاستخارَةٍ أو استشارةٍ لِمَا رَأَى في الإجابةِ من الخيرِ.
وقولُهُ: (لذلكَ) ، أيْ: للشَّرْعِ المطلوبِ للسائلِ المستفادِ منْ أَشْرَحَ.
(قَوْلُهُ: سَالِكًا) ، حالٌ من التاءِ في أَجَبْتُ.
وقولُه: (من الاختصارِ) ، بَيَانٌ لِأَحْسَنِ المسالكِ، مُقَدَّمٌ على المُبِينِ لِأَجْلِ السَّجْعِ، والأصلُ: سَالِكًا أَحْسَنَ المسالكِ من الاختصارِ، أيْ: وذلكَ الأحسنُ هوَ الاختصارُ، وهوَ تَقْلِيلُ اللفظِ وَتَكْثِيرُ المعنى، كما ذَكَرَهُ شيخُ الإسلامِ وغيرُهُ، وبعضُهُمْ قالَ: تَقْلِيلُ اللفظِ، سواءٌ كَثُرَ المعنَى أوْ نَقَصَ أوْ سَاوَى، والمسالكُ جَمْعُ مَسْلَكٍ، وهوَ طَرِيقُ السُّلُوكِ.
(قَوْلُهُ: وَعَمِلْتُهُ) ، بِكَسْرِ المِيمِ في الماضي، والضميرُ عائدٌ للشرحِ المفهومِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَعَبَّرَ بالماضي لِقُوَّةِ رَجَائِهِ حُصُولَ مَا ذَكَرَ، وكذا يُقَالُ فيمَا بَعْدُ، فلا يُنَافِي أنَّ الخُطْبةَ سَابِقَةٌ على التأليفِ كما يَقْتَضِيهِ سَابِقُ الكلامِ؛ حيثُ عَبَّرَ فيما تَقَدَّمَ بالفعلِ المضارعِ بِقَوْلِهِ: فَيَقُولُ، وَلَاحَقَهُ حيثُ قَالَ: هذا أوانُ الشُّرُوعِ في المقصودِ، وقولُهُ: عَمَلَ الطَّبِيبِ للحبيبِ، أيْ عَمَلًا كَعَمَلِ الطبيبِ للمحبوبِ. فَفَعِيلٌ الأوَّلُ بمعنى اسْمِ الفاعلِ، والثاني بمعنى مَفْعُولٍ، والغرضُ منْ هذا التشبيهِ بَيَانُ كَمَالِ الاجتهادِ في تحصيلِ المرادِ، لكن اعْتُرِضَ هذا بقولِ الأطبَّاءِ: المُحِبُّ لَا يَطِبُّ مَحْبُوبَهُ، والعاشقُ لا يَطِبُّ مَعْشُوقَهُ، والوالِدُ لا يَطِبُّ وَلَدَهُ، وَأُجِيبَ بأنَّ معنى قَوْلِهِم: المُحِبُّ لَا يَطِبُّ مَحْبُوبَهُ، لا يُعَالِجُهُ في جَسَدِهِ لِئَلَّا يَتَأَلَّمَ، فَلَا يُنَافِي أنَّ المُحِبَّ يَصْنَعُ نَحْوَ مَعْجُونٍ وَيَجْمَعُ فيهِ الأدويةَ النَّافِعَةَ لِمَحْبُوبِهِ، وَيُبَالِغُ في النُّصْحِ لهُ، فالمعنى أنَّ الشيخَ بالغَ في الاجتهادِ في هذا الشرحِ، وَجَمَعَ فيهِ ما يَنْفَعُ الطلبةَ، كما يُبَالِغُ الطبيبُ في صُنْعِ المعجونِ لمحبوبِهِ، وَيَجْمَعُ فيهِ الأدويةَ النافعةَ. وَأَخَذَ الشارحُ ذلكَ منْ قولِ ابنِ هشامٍ في قواعدِهِ: عَمِلْتُهُ عَمَلَ مَنْ طَبَّ لِمَنْ حَبَّ.