(قَوْلُهُ: وَقَرَّبْتُ فيهِ العباراتِ أيَّ تَقْرِيبٍ) ، أيْ قَرَّبْتُ في الشرحِ المذكورِ العباراتِ لأذهانِ الطلبةِ تَقْرِيبًا كاملًا، فَقَوْلُهُ: أيَّ تَقْرِيبٍ، مَنْصُوبٌ على المفعوليَّةِ المُطْلَقَةِ، وهوَ مَوْضُوعٌ لإفادةِ الكمالِ، فإنْ قُلْتَ: في كلامِهِ ظَرْفِيَّةُ الشيءِ في نَفْسِهِ؛ لأنَّ العباراتِ هيَ نَفْسُ الشرحِ، قُلْتُ: يُلَاحَظُ في العباراتِ التفصيلُ، وَفِي الشرحِ الإجمالُ، فهوَ منْ ظَرْفِيَّةِ المُفَصَّلِ في المُجْمَلِ، أوْ ظَرْفِيَّةِ الأجزاءِ في الكُلِّ.
(قَوْلُهُ: وَتَعَرَّضْتُ فِيهِ للخلافِ بينَ الأَئِمَّةِ) ، أيْ: في الجملةِ، وإِلَّا فَقَدْ لا يَتَعَرَّضْ للخلافِ في كثيرٍ منْ مَسَائِلِهِ، والأئمَّةُ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيلِ الثانيةِ، وَبِهِمَا قُرِئَ في السَّبْعِ، وَبِإِبْدَالِهَا يَاءً، وبها قُرِئَ مِنْ طَرِيقِ الطَّيِّبَةِ لا منْ طَرِيقِ الشَّاطِبِيَّةِ. والمرادُ بالأئمةِ عندَ الإطلاقِ الأئمَّةُ الأربعةُ المجتهدونَ.
(قَوْلُهُ: وَبَيَّنْتُ فيهِ ما اجْتَمَعَتْ عليهِ الأُمَّةُ) ، أيْ: في الجملةِ، كما مَرَّ في الذي قبلَهُ. والمرادُ بالأُمَّةِ المجتهدونَ منهم، الأربعةُ المشهورونَ وغيرُهُم، لا غيرُ المجتهدينِ، إذْ لا دَخْلَ لهمْ في الإجماعِ.
(قَوْلُهُ: وَسَمَّيْتُهُ إلخ) ، أيْ وَضَعْتُ عليهِ هذا الاسمَ. والتحقيقُ أنَّ أسماءَ الكُتُبِ منْ حَيِّزِ عِلْمِ الشخصِ كَأَسْمَاءِ العلومِ، بِنَاءً على أنَّهُ لا يُنْظَرُ لِتَعَدُّدِ الشيءِ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ؛ لأنَّهُ تَدْقِيقٌ فَلْسَفِيٌّ لَا يَعْتَبِرُهُ أربابُ العربيَّةِ، فأسماءُ الكُتُبِ مَوْضُوعَةٌ للألفاظِ المَخْصُوصَةِ الدالَّةِ على المعاني المَخْصُوصَةِ، وهيَ إذا كانتْ مُسْتَحْضَرَةً في ذِهْنِ المُصَنِّفِ هيَ بِعَيْنِهَا إذا كانتْ مُسْتَحْضَرَةً في ذِهْنِ غيرِهِ، غَايَةُ الأمرِ أنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ تَعَدَّدَ مَحَلُّهُ، وهكذا أسماءُ العلومِ فهيَ مَوْضُوعَةٌ للقواعدِ المَخْصُوصَةِ، وهيَ إذا كانتْ مُسْتَحْضَرَةً في ذِهْنِ زَيْدٍ هيَ بِعَيْنِهَا إذا كانتْ مُسْتَحْضَرَةً في ذِهْنِ غَيْرِهِ، غايةُ الأمرِ أنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ تَعَدَّدَ مَحَلُّهُ. فإنْ نُظِرَ لِتَعَدُّدِ الشيءِ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ كَمَا عَلَيْهِ الحُكَمَاءُ، فَكُلٌّ مِنْ أَسْمَاءِ الكُتُبِ وَأَسْمَاءِ العلومِ منْ قَبِيلِ عِلْمِ الجِنْسِ، فأسماءُ الكُتُبِ مَوْضُوعَةٌ للنوعِ الشاملِ لِمَا فِي ذِهْنِ المُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، وَأَسْمَاءُ العلومِ كَذَلكِ. فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِجَعْلِ أسماءِ الكُتُبِ منْ حَيِّزِ عِلْمِ الجنسِ، وَأَسْمَاءِ العلومِ مِنْ قَبِيلِ عِلْمِ الشخصِ تَحَكُّمٌ.
(قَوْلُهُ: الفَوَائِدَ إلخ) ، هذا كُلُّهُ هوَ المَفْعُولُ الثاني، فَكُلُّ كَلِمَةٍ منْ هذا التركيبِ بِمَنْزِلَةِ الزَاي مِنْ زَيْدٍ، فَلا مَعْنَى لَهُ بَعْدَ العَلَمِيَّةِ. وأمَّا في الأصلِ فالفوائدُ جَمْعُ فَائِدَةٍ، وهيَ لُغَةً: مَا اسْتَفَدْتَهُ مِنْ عِلْمٍ أوْ مَالٍ أوْ غَيْرِهِمَا كَجَاهٍ، واصطلاحًا: المَصْلَحَةُ المُتَرَتِّبَةُ على الفِعْلِ منْ حيثُ إِنَّهَا ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ. وأمَّا منْ حيثُ إِنَّهَا في طَرَفِ الفعلِ فَتُسَمَّى غايةً، فَهُمَا مُتَّحِدَانِ ذَاتًا مُخْتَلِفَانِ اعْتِبَارًا، كما أنَّ العِلَّةَ والغرضَ كذلكَ، فالعلةُ هيَ المصلحةُ المُتَرَتِّبَةُ على الفعلِ منْ حيثُ إِنَّهَا بَاعِثَةٌ للفاعلِ على الفعلِ. وأمَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَقْصُودَةٌ للفاعلِ من الفعلِ فَتُسَمَّى غَرَضًا، والفائدةُ والغايةُ أَعَمُّ مِن العِلَّةِ والغرضِ عُمُومًا مُطْلَقًا، فَتَجْتَمِعُ الأربعةُ فِيمَا لو حَفَرَ بقصدِ الماءِ وَبَعْدَ تَمَامِ الحفرِ ظَهَرَ الماءُ. وَيُوجَدُ الأَوَّلَانِ ولا يُوجَدُ الأخيرانِ، كما لو حَفَرَ بِقَصْدِ الماءِ فَبَعْدَ تَمَامِ الحفرِ ظَهَرَ كَنْزٌ، فَيُقَالُ لَهُ فَائِدَةٌ وَغَايَةٌ، وَلَا يُقَالُ لَهُ عِلَّةٌ وَلَا غَرَضٌ. وقالَ بَعْضُهُم: قدْ تَنْفَرِدُ الفائدةُ عن الغايةِ فيما لو حَفَرَ بِقَصْدِ الماءِ، فعلى نِصْفِ الحفرِ ظَهَرَ كَنْزٌ ولمْ يَقْطَع الحفرَ بلْ أَتَمَّهُ، فيقالُ لهذا الكَنْزِ فَائِدَةٌ، ولا يُقَالُ لَهُ غَايَةٌ؛ لأنَّهُ لَيْسَ في طَرَفِ الفعلِ. وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بأنَّهُ في طَرَفِ الفعلِ الذي قَبْلَهُ، وأمَّا الذي بَعْدَهُ فَفِعْلٌ جديدٌ، كما يُعْلَمُ منْ شَرْحِ رِسَالَةِ الوضعِ معَ حَوَاشِيهَا. وَالشَّنْشُورِيَّةِ نِسْبَةٌ لِلشَّنْشُورِيِّ على الضَّبْطَيْنِ السابِقَيْنِ.