الصفحة 15 من 396

والرحمنِ الرحيمِ بِمَعْنَى المُحْسِنِ، لكنَّ الأوَّلَ هوَ المُحْسِنُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ، والثانيَ هوَ المُنْعِمُ بدقائقِ النِّعَمِ. والكلامُ على البَسْمَلَةِ كَثِيرٌ وَشَهِيرٌ.

(قَوْلُهُ: أيْ أَفْتَتِحُ) ، إشارةٌ لِمُتَعَلَّقِ الباءِ كما تَقَدَّمَ، وأقسامُهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لأنَّهُ إمَّا أنْ يَكُونَ فِعْلًا أوْ يَكُونَ اسْمًا، وكلٌّ مِنْهُمَا إمَّا عَامٌّ وإمَّا خَاصٌّ، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا مُقَدَّمٌ وإمَّا مُؤَخَّرٌ. فالجملةُ مَا ذُكِرَ، وَأَوْلَاهَا أنْ يكونَ فِعْلًا خَاصًّا مُؤَخَّرًا. أمَّا الأوَّلُ فَلِأَنَّ الأصلَ في العملِ للأفعالِ، وأمَّا الثاني فَلِأَنَّ كُلَّ شارعٍ في شَيْءٍ يُضْمِرُ في نفسِهِ لَفْظَ ما جَعَلَ التسميةَ مَبْدَأً لهُ، وأمَّا الثالثُ فَلِإِفَادَةِ الحَصْرِ ولِتَقْدِيمِ اسْمِهِ تعالى. وقولُ الشارحِ: أيْ أَفْتَتِحُ، مُشْتَمِلٌ على وَجْهَيْنِ من الثلاثةِ المذكورةِ، كَوْنِهِ فِعْلًا، وَكَوْنِهِ مُؤَخَّرًا، وَلَمْ يَشْتَمِلْ على الوجهِ الثالثِ، وهوَ كَوْنُهُ خَاصًّا، وَلِذَلِكَ قالَ الشارحُ: وَأَوْلَى منهُ أُؤَلِّفُ، وَوَجْهُهُ مَا عَلِمْتَ مِنْ أنَّ كُلَّ شَارِعٍ في شَيْءٍ يُضْمِرُ في نفسِهِ لَفْظَ ما جَعَلَ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لهُ، وَأَيْضًا تَقْدِيرُهُ كذلكَ يُفِيدُ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ أجزاءِ التأليفِ مُلَابِسَةً لِلبَسْمَلَةِ، فَتَعُودُ بَرَكَتُهَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا قَدَّرَ الشارحُ أَوَّلًا غيرَ الأُولى معَ إمكانِ تَقْدِيرِ الأُولى لِمُشَاكَلَةِ قَوْلِهِ: في الحَمْدِ نَسْتَفْتِحُ، كَمَا قَالَهُ الأُسْتَاذُ الحِفْنِيُّ.

(قَوْلُهُ: أَوَّلُ إلخ) ، لَفْظُ أَوَّلُ بالرفعِ على الابتداءِ، وبذلكَ خَبَرٌ على أنَّ الباءَ زَائِدَةٌ أوْ للتصويرِ، والمعنى أَوَّلُ اسْتِفْتَاحِنَا القولَ ذِكْرُ حَمْدِ رَبِّنَا، أَوْ مُصَوَّرٌ بِذِكْرِ حَمْدِ رَبِّنَا، وَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بالنصبِ على أنَّهُ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ يَتَعَلَّقُ بهِ قَوْلُهُ: بِذِكْرِ، والتقديرُ نَنْطِقُ في أوَّلِ اسْتِفْتَاحِنَا بِذِكْرِ إلخ. والظاهرُ أنَّ هذا إخبارٌ من المُصَنِّفِ بأنَّهُ يَذْكُرُ الحمدَ بعدُ، وإليهِ يُشِيرُ قولُ الشارحِ فيما يَأْتِي: ثمَّ حَقَّقَ ما وَعَدَ بهِ. وَيُحْتَمَلُ أنَّ المصنِّفَ قَصَدَ بذلكَ إِنْشَاءَ حَمْدٍ؛ لأنَّهُ اعْتِرَافٌ بأنَّ الحمدَ رُتْبَتُهُ التقديمُ، وهذا يَتَضَمَّنُ الثناءَ، أَفَادَهُ المُحَقِّقُ الأَمِيرُ.

(قَوْلُهُ: مَا نَسْتَفْتِحُ) ، أي اسْتِفْتَاحِنَا، فما مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ، بلْ مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ، وَإِنَّمَا أَتَى بالنونِ الدالَّةِ على العَظَمَةِ لإظهارِ تَعْظِيمِ اللَّهِ لهُ، حيثُ أَهَلَّهُ للحمدِ تَحَدُّثًا بالنعمةِ، والسينُ والتاءُ زَائِدَتَانِ للتأكيدِ والمبالغةِ، لا للطلبِ كما في قولِهِ تَعَالَى: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} ، أيْ: يَطْلِبُونَ الفَتْحَ، أي النَّصْرَ عليهِم، ولا لِلصَّيْرُورَةِ كاسْتَحْجَرَ الطينُ، أيْ صَارَ حَجَرًا، ولا للنسبةِ وَعَدِّ الشيءِ على صفةٍ مَخْصُوصَةٍ كَاسْتَحْسَنْتُ العدْلَ، واسْتَقْبَحْتُ الظُّلْمَ.

(قَوْلُهُ: أيْ نَفْتَتِحُ) ، أَشَارَ بذلكَ إلى أنَّهُ ليسَ المرادُ بالاستفتاحِ الاستدعاءَ وهوَ الطلبُ كما قالَهُ الكَنَائِيُّ، بل المرادُ بهِ الافتتاحُ.

وقولُهُ: (أيْ نَبْتَدِئُ) ، مُجَرَّدُ تَوْضِيحٍ. هذا هوَ المُتَعَيَّنُ كما قالَهُ العَلَّامَةُ الأميرُ، وَيُشِيرُ إليهِ كلامُ اللُّؤْلُؤَةِ. وأمَّا قولُ البُولَاقِيِّ: لَمَّا كانَ الافتتاحُ يُطْلَقُ على الاستدعاءِ وليسَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا المرادُ الابتداءُ قالَ: أيْ نَبْتَدِئُ، فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لأنَّ الذي يُطْلَقُ على الاستدعاءِ والطلبِ الاستفتاحُ بالسينِ والتاءِ، وهذا قد انْدَفَعَ بالتفسيرِ الأوَّلِ في الشرحِ. فَالحَقُّ أنَّ التفسيرَ الثانيَ لِمُجَرَّدِ الإيضاحِ، والمرادُ نَبْتَدِئُ بَدْأً إِضَافِيًّا، فلا يُنَافِي ابْتِدَاءَهُ أَوَّلًا بالبسملةِ على ما تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ: المَقَالَا) ، مَفْعُولٌ لِـ (نَسْتَفْتِحُ) ، وهوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى القولِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشارحُ بَعْدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت