فهرس الكتاب
وقولُهُ: (عُلُوًّا كَبِيرًا) ، أيْ تَنْزِيهًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ منْ ضَلَالِهِمْ ولا شُبَهِهِم. وأَخَذَ الشارحُ ذلكَ منْ مَعْنَى التَّفَاعُلِ الذي يُفْهَمُ مِنْ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: ثمَّ حَقَّقَ ما وَعَدَ بِهِ) ، أيْ أَثْبَتَهُ في الخارجِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: حَقَّقَ الشيءَ أَثْبَتَهُ في الخارجِ، ولوْ قالَ الشارحُ: ثمَّ وَفَّى بِمَا وَعَدَ بهِ لَكَانَ أَوْضَحَ، والوعدُ عندَ الإطلاقِ يُسْتَعْمَلُ في الخيرِ، وأمَّا الشرُّ فَيُسْتَعْمَلُ فيهِ الإيعادُ، قالَ الشاعرُ:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ * لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
وقولُهُ: (مِنْ ذِكْرِ الحمدِ) ، بَيَانٌ لِمَا وَعَدَ بهِ، والأَوْلى أنْ يَقُولَ: من الاستفتاحِ بِذِكْرِ الحمدِ؛ لأنَّهُ الموعودُ بهِ، لا ذِكْرُ الحمدِ مُطْلَقًا.
وقولُهُ: (بِقَوْلِهِ) ، مُتَعَلِّقٌ بِحَقَّقَ.
(قَوْلُهُ: فالحمدُ إلخ) ، الفاءُ فاءُ الفَصِيحَةِ؛ سُمِّيَتْ بذلكَ لأنَّها أَفْصَحَتْ عنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتقديرُ: إذا أَرَدْتَ بَيَانَ الحمدِ الموعودِ بالاستفتاحِ بهِ، فالحمدُ إلخ، وَأَلْ في الحمدِ إمَّا لِلاسْتِغْرَاقِ كما عليهِ الجمهورُ، أوْ للجنسِ كَمَا عليهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ للعهدِ كَمَا عليهِ ابنُ النَّحَّاسِ. وعلى كُلٍّ فَاللَّامُ في للَّهِ إمَّا للاختصاصِ، أوْ للاستحقاقِ، أوْ للْمِلْكِ، فهيَ تسعةٌ منْ ضَرْبِ ثلاثةٍ في ثلاثةٍ، يَمْتَنِعُ منها جَعْلُ اللامِ للمِلْكِ معَ جَعْلِ ألْ لِلعَهْدِ، إنْ جُعِلَ المعهودُ الحمدَ القَدِيمَ فقَطْ؛ لأنَّ القديمَ لَا يَتَّصِفُ بالمَمْلُوكِيَّةِ. فَإِنْ جَعَلَ المعهودَ حَمِدَ مَنْ يُعْتَدُّ بِحَمْدِهِ قَدِيمًا كانَ أوْ حَادِثًا، وَلُوحِظَت الهيئةُ الاجتماعيَّةُ، صَحَّ جَعْلُ اللامِ لِلمِلْكِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: أي الوَصْفُ إلخ) ، هذا تَفْسِيرٌ لِمَوْضُوعِ القَضِيَّةِ منْ حيثُ هوَ بِقَطْعِ النظرِ عنْ حَمْدِ المُصَنِّفِ نَفْسَهُ. وهذا التفسيرُ شَامِلٌ للحمدِ القديمِ بِخِلَافِ تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ لِقَوْلِهِ: أي الثناءُ باللسانِ إلخ.
وقولُهُ: (بِالجَمِيلِ) ، إشارةٌ للمحمودِ بهِ، ولا فَرْقَ فيهِ بينَ أنْ يكونَ اخْتِيَارِيًّا أَوْ لَا. وأَمَّا المحمودُ عليهِ فَيُشْتَرَطُ فيهِ أنْ يكونَ اخْتِيَارِيًّا حَقِيقَةً، وهوَ ظَاهِرٌ أوْ حُكْمًا كَذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَيَدْخُلُ الحمدُ عَلَيْهِمَا في تَعْرِيفِ الحمدِ، وإنَّمَا قُلْنَا بِكَوْنِهِمَا من الاختيارِيِّ حُكْمًا؛ لأنَّ الذاتَ وصفاتِ التأثيرِ مَنْشَأٌ لأفعالٍ اختيارِيَّةٍ، وغيرَ صِفَاتِ التأثيرِ كَالسَّمْعِ والبَصَرِ مُلَازِمٌ لِلمَنْشَأِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحمدُ والمدحُ أَخَوَانِ، وَعَليهِ فَلَا يُشْتَرَطُ في المحمودِ عليهِ أنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا. وفَهِمَ بعضُ الحواشي أنَّ قَولَهُ: بِالجميلِ، بَيَانٌ للمحمودِ عليهِ، فَقَيَّدَهُ بِالاختيارِيِّ، وَجَعَلَ كلامَ الشارحِ إمَّا على طريقةِ المُتَقَدِّمِينَ المُجَوِّزِينَ للتعريفِ بالأعمِّ، وإمَّا على رأيِ الزَّمَخْشَرِيِّ. والأظهرُ أنَّهُ إشارةٌ للمحمودِ بهِ، وقدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَا يُقَيَّدُ بالاختيارِيِّ.
(قَوْلُهُ: ثَابِتٌ) ، إشارةٌ لِتَعَلُّقِ الجارِّ والمجرورِ، وَقَدَّرَهُ منْ مادَّةِ الثبوتِ لِيَشْمَلَ الاحتمالاتِ الثلاثةَ، التي هيَ الاختصاصُ والمِلْكُ والاستحقاقُ.