الصفحة 21 من 396

(قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى جَمِيلٌ) ، أيْ: ولوْ صِفَاتُ الأفعالِ، فإنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى إمَّا فَضْلٌ أوْ عَدْلٌ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ، ولذلكَ وَجَبَ الرضا بالقضاءِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تَتَّصِفُ بالحسنِ تَارَةً والقُبْحِ تَارَةً منْ حيثُ كَسْبُ العبدِ، وأمَّا منْ حيثُ صُدُورُهَا عن المولى فالكُلُّ حَسَنٌ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ سَيِّدِي مُحَمَّدِ وَفَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

سَمِعْتُ اللَّهَ في سِرِّي يَقُولُ * أَنَا فِي المُلْكِ وَحْدِي لا أَزُولُ

وَحَيْثُ الكُلُّ عَنِّي لَا قَبِيحُ * وَقُبْحُ القبحِ مِنْ حَيْثِي جَمِيلُ

(قَوْلُهُ: فهوَ وَصْفٌ للَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ) ، أيْ: فَحَمْدُ اللَّهِ منْ حيثُ هوَ الذي هوَ موضوعُ القضيَّةِ وَصْفٌ للَّهِ لا حَمْدُ المُصَنِّفِ الواقعِ منهُ بهذهِ الجُمْلَةِ؛ لأنَّهُ حُمِدَ بِصِفَةٍ واحدةٍ وهيَ استحقاقُ الحمدِ أو اختصاصُهُ أوْ مِلْكُهُ، فَكَأَنَّ المُصَنِّفَ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ بِاسْتِحْقَاقِهِ الحمدَ، واختصاصِهِ بهِ، أوْ مِلْكِهِ لهُ، وَإِنَّمَا كانَ حَمْدُ اللَّهِ منْ حيثُ هوَ وَصْفٌ لهُ تَعَالَى بجميعِ الصفاتِ معَ أنَّ معناهُ الوصفُ بالجَمِيلِ، وهوَ يَصْدُقُ بِكُلِّ الصفاتِ وَبِبَعْضِهَا؛ لأنَّ الغرضَ التعظيمُ، ورعايةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فيهِ. بواسطةِ ذلكَ كَانَ حَمْدُ اللَّهِ وَصْفًا لَهُ تعالى بجميعِ صفاتِهِ، وَيُنْتِجُ ذلكَ قِيَاسًا نَظْمُهُ هكذا: حَمْدُ اللَّهِ وَصْفٌ لهُ تَعَالَى بالجميلِ، وكلُّ وَصْفٍ لهُ تَعَالَى بالجميلِ وَصْفٌ لهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَحَمْدُ اللَّهِ وَصْفٌ لهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ. فالصغرى، وهيَ قولُنَا: أَحْمَدُ اللَّهَ، وَصْفٌ لهُ بالجميلِ تُعْلَمُ منْ قولِ الشارحِ في تفسيرِ الحمدِ، أي الوصفُ بالجميلِ. والكبرى، وهيَ قولُنَا: وَكُلُّ وَصْفٍ لهُ تَعَالَى بالجميلِ وَصْفٌ لهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، تُعْلَمُ منْ قولِ الشارحِ: وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ جَمِيلٌ، معَ ما ذَكَرْنَاهُ منْ أنَّ الغرضَ التعظيمُ، ورعايةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فيهِ. وَأَمَّا النتيجةُ فَقَدْ ذَكَرَهَا الشارحُ بِقَوْلِهِ: فهوَ وَصْفٌ للَّهِ إلخ.

(قَوْلُهُ: على مَا أَنْعَمَا) ، على تَعْلِيلِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، فهوَ موصولٌ حَرْفِيٌّ لَا مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ، وإلَّا لَاحْتَاجَ لِعَائِدٍ مَحْذُوفٍ مَجْرُورٍ بِغَيْرِ ما جُرَّ بهِ الموصولُ، والتقديرُ: على ما أَنْعَمَ بهِ، فالموصولُ مَجْرُورٌ بِعَلَى، والعائدُ مَجْرُورٌ بالباءِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ حينئذٍ إلَّا شُذُوذًا، وهذا مَانِعٌ لَفْظِيٌّ، وهناكَ مَانِعٌ مَعْنَوِيٌّ أيضًا، وهوَ أنَّهُ لو كانتْ ما مَوْصُولًا اسْمِيًّا كانَ المحمودُ عليهِ المُنْعَمَ بهِ، الذي هوَ أَثَرُ الإنعامِ، معَ أنَّ الحمدَ على الإِنعامِ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِن الحمدِ على الأثرِ؛ لأنَّ الأَوَّلَ حَمْدٌ على فِعْلِ اللَّهِ منْ غيرِ وَاسِطَةٍ، والثانيَ حَمْدٌ عليهِ بِوَاسِطَةِ الأثرِ، هذا هوَ الذي اشْتَهَرَ. وَاخْتَارَ الشيخُ الأميرُ أنَّ الحمدَ على الأثرِ أَبْلَغُ وَأَوْلَى من الحمدِ على الإنعامِ؛ لأنَّ الحمدَ على الأثرِ لَا يَتِمُّ إلَّا بملاحظةِ التأثيرِ، فكأنَّهُ حَمْدَانِ، فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ: أيْ على إِنْعَامِهِ) ، أشارَ بذلكَ إلى أنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وليستْ مَوْصُولًا اسْمِيًّا، وَقَدْ عَلِمْتَ تَوْجِيهَ ذلكَ.

(قَوْلُهُ: وَأَلِفُهُ لِلإطْلَاقِ) ، أيْ لإطلاقِ الصوتِ كَمَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لذكرِ المُنْعَمِ بهِ إلخ) ، أيْ حيثُ لمْ يَقُلْ: عَلَى إنعامِهِ بكذا وكذا، فلمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ المُنْعَمِ بهِ، لا كُلًّا وَلَا بَعْضًا، لا إِجْمَالًا ولا تَفْصِيلًا. فَأَقْسَامُ التعرُّضِ لِذِكْرِ المُنْعَمِ بهِ أَرْبَعَةٌ: تَعَرُّضٌ لِذِكْرِ المُنْعَمِ بهِ كُلًّا تَفْصِيلًا، وهذا لَا يُمْكِنُ، قالَ تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} . وَتَعَرُّضٌ لِذِكْرِ المُنْعَمِ بهِ كُلًّا إِجْمَالًا، كَأَنْ يَقُولَ: الحمدُ للَّهِ على إِنْعَامِهِ بِجَمِيعِ نِعَمِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت