فهرس الكتاب
أَرَى بِقَلْبِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي ... * وَالقَلْبُ يُدْرِكُ ما لَا يُدْرِكُ البَصَرُ
(قَوْلُهُ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلخ) ، اسْتِدْلَالًا على ما ادَّعَاهُ منْ أنَّ الضارَّ إِنَّمَا هوَ عَمَى القَلْبِ، وَأَما عَمَى البَصَرِ فَلَيْسَ بِضَارٍّ في الدِّينِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هذهِ الآيةِ أنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قولُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: أَنَا فِي الدُّنْيَا أَعْمَى، أَفَأَكُونُ في الآخِرَةِ أَعْمَى؟ فَنَزَلَتْ.
(قَوْلُهُ: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ} ) ، أيْ: فَإِنَّ القصَّةَ لا تَعْمَى الأبصارُ عَمًى ضَارًّا في الدِّينِ، فالضميرُ للقصَّةِ يُفَسِّرُهُ الجملةُ بَعْدَهُ، والمَنْفِيُّ إِنَّمَا هوَ العَمَى الضَّارُّ في الدِّينِ، وَإِلَّا فَعَمَى الأبصارِ وَاقِعٌ لا يَصِحُّ نَفْيُهُ.
وقولُهُ: (وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ) ، أَيْ: وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ عَمًى ضَارًّا في الدِّينِ.
وقولُهُ: (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، للتأكيدِ؛ لأنَّ القلوبَ لَا تَكُونُ إِلَّا في الصدورِ، فهوَ على حَدِّ قَوْلِكَ: سَمِعْتُ بِأُذُنِي وَأَبْصَرْتُ بِعَيْنِي، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ} .
(قَوْلُهُ: وقالَ قَتَادَةُ إلخ) ، أَتَى بِذَلِكَ لأنَّهُ يُعْلَمُ منهُ أنَّ فَقْدَ البَصَرِ الظَّاهِرَ لَا يَضُرُّ، وَأَنَّ فَقْدَ بَصَرِ القلبِ هوَ الضارُّ. وَقَتَادَةُ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ ثِقَةٌ، يُقَالُ: وُلِدَ أَكْمَهَ، وَقَد اتَّفَقُوا عَلَى أنَّهُ أَحْفَظُ أَصْحَابِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
(قَوْلُهُ: البَصَرُ الظََّّاهِرُ) ، أَي: الَّذِي هُوَ بَصَرُ العَيْنِ.
وقولُهُ: (بُلْغَةٌ) ، أيْ: شَيْءٌ قَلِيلٌ يَبْلُغُ بهِ الإنسانُ مَا يُرِيدُ منْ إِدْرَاكِ الأشخاصِ والألوانِ. وفي المُخْتَارِ: البُلْغَةُ ما يُبْتَلَغُ بهِ من العيشِ، أيْ يُكْتَفَى بِهِ.
وقولُهُ: (وَمَنْفَعَةٌ) ، عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
وقولُهُ: (وَبَصَرُ القَلْبِ هوَ النَّافِعُ) ، أيْ: في الدِّينِ، فهوَ نَافِعٌ نَفْعًا كَافِلًا.
وقولُهُ: (انْتَهَى) ، أيْ: كَلَامُ قَتَادَةَ.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى صَلَّى إلخ) ، دُخُولٌ على كلامِ المُصَنِّفِ. ثمَّ إنْ كَانَتْ لَمَّا حَرْفًا لِمُجَرَّدِ الربطِ فالأمرُ ظَاهِرٌ، وإنْ كَانَتْ بِمَعْنَى حِينَ أُشْكِلَ الأَمْرُ؛ لأنَّ كُلًّا من الحمدِ والصلاةِ مُتَعَلِّقَانِ باللسانِ، وهوَ لا يَكُونُ مُورِدًا لهما في آنٍ وَاحِدٍ كما يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ حِينئذٍ؛ لأنَّ المعنى عَلَى هذا: وَحِينَ حَمِدَ اللَّهَ صَلَّى إلخ. وَأُجِيبَ بأنَّ المرادَ بِقَوْلِهِ: صَلَّى، أَرَادَ الصَّلَاةَ.