الصفحة 26 من 396

(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلخ) ، أي: امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلخ، فهوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هوَ العِلَّةُ في الحقيقةِ، وَيُحْتَمَلُ أنَّ التقديرَ: لِأَنَّ الصلاةَ مَطْلُوبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلخ. وعلى الأَوَّلِ فاللَّامُ لِلتَّعْدِيَةِ لا للتعليلِ، وعلى الثاني بِالعَكْسِ.

(قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ) ، إِنَّمَا أَكَّدَ في الآيةِ السلامَ بالمصدرِ، وهوَ قولُهُ: تَسْلِيمًا، دُونَ الصَّلَاةِ؛ لأنَّ الصلاةَ مُؤَكَّدَةٌ بِلَفْظَةِ إِنَّ؛ وَلَأَنَّ اللَّهَ تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ وَتَوَلَّتْهَا مَلَائِكَتُهُ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} ؛ وَلَأَنَّهَا قُدِّمَتْ لَفْظًا، والتقديمُ يَدُلُّ عَلَى الاهتمامِ؛ ولأنَّ مَصْدَرَهَا وهوَ التَّصْلِيَةُ في إطلاقِهِ بَشَاعَةٌ بِخِلَافِ التَّسْلِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: التأكيدُ كَمَا يَكُونُ بِالمَصْدَرِ يَكُونُ بِاسْمِ المَصْدَرِ، أُجِيبَ بأنَّ التَّنَاسُبَ مَطْلُوبٌ بَيْنَ التَّأْكِيدَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يُمْكِنُ الإِتْيَانُ بِاسْمِ المَصْدَرِ فِيهِمَا فَيَحْصُلُ التَّنَاسُبُ مَعَ عَدَمِ البَشَاعَةِ، أُجِيبَ بِأَنَّ الأصلَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ، فَإِذَا أَتَى لَا يُسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُعْتَذَرُ عَنْ تَرْكِ التَّأْكِيدِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا تَقَدَّمَ. وَأَبْدَى العَلَّامَةُ الأَمِيرُ في ذلكَ وَجْهًا آخَرَ حَاصِلُهُ أنَّ الصلاةَ لَمْ تُؤَكَّدْ لِكَوْنِهَا لَا تُسْتَعْمَلُ في العامَّةِ، بِخِلَافِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في العَامَّةِ، فَلَوْ لَمْ يُؤَكَّدْ لَتُوُهِّمَ أنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ كَسَلَامِ العَامَّةِ، فَالمَعْنَى: وَسَلِّمُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمًا عَظِيمًا، كَأَنْ تَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَا كَسَلَامِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} .

(قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى.

وقولُهُ: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ) ، أيْ: مَنْ كَتَبَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ وَتَلَفَظَّ بِهَا فِي كِتَابٍ، فَهَذَا الثَّوَابُ المَخْصُوصُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الكِتَابَةِ والتَّلَفُّظِ، وَإِنْ كَانَ المُقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ. والمُتَبَادَرُ أنَّ المُرَادَ بالكتابِ الأَوَّلِ المَكْتُوبُ كالثَّانِي على القاعدةِ مِنْ أنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنًا. وَجَعَلَ بَعْضُهُم الكتابَ الأَوَّلَ بِمَعْنَى المَصْدَرِ، والكِتَابَ الثَّانِيَ بِمَعْنَى المَكْتُوبِ، فَيَكُونُ فِيهِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ، والمَعْنَى: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي حَالِ كِتَابِةِ اسْمِي إلخ. وَيَكُونُ حِينَئِذٍ عَلَى خِلَافِ القَاعِدَةِ؛ لأنَّها أَغْلَبِيَّةٌ.

وقولُهُ: (لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ) ، أَيْ بِصِيغَةِ الاستغفارِ أوْ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا؛ لِحَدِيثِ: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) . والأظهرُ أنَّ المرادَ بِالمَلَائِكَةِ خُصُوصُ الحَفَظَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُم، وَيُحْتَمَلُ أنَّ المرادَ مَا يَشْمَلُهُمْ وَغَيْرَهُمْ.

وقولُهُ: (مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ) ، أيْ: مُدَّةَ دَوَامِ اسْمِي فِي ذَلِكَ الكتَابِ. وَالمُرَادُ مِن اسْمِهِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عليهِ، وَلَوْ ضَمِيرًا أوْ وَصْفًا، نَحْوَ: عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ، أَو الصلاةُ والسلامُ على البَشِيرِ. ولوْ مَحَا شَخْصٌ اسمَ النَّبِيِّ مِنْ كتابٍ فَهَلْ يَنْقَطِعُ ثَوَابُ المُصَلِّي أَوْ لَا، وهلْ يَحْرُمُ على المَاحِي أَوْ لَا؟ والذي قَرَّرَهُ بَعْضُ الأشياخِ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ ثَوَابُ المُصَلِّي، وأنَّهُ يَحْرُمُ على المَاحِي، وَلَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذا مَحَاهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِكَوْنِهِ قَاصِدًا حينئذٍ قَطْعَ ثَوَابِ المُصَلِّي، فَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ. ثمَّ إنَّ هذا الحديثَ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ ابنُ حَجَرٍ في كتابِهِ الدُّرِّ المَنْضُودِ. وقالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَقَالَ ابنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت