فهرس الكتاب
وَلَو الملائكةِ الدعاءُ، وهوَ يَشْمَلُ الاستغفارَ كَمَا مَرَّ. وعلى هذا التفسيرِ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ المُشْتَرَكِ المَعْنَوِيِّ، وَضَابِطُهُ أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ والمعنى والوضْعُ، لَكِنْ هُنَاكَ أَفْرَادٌ اشْتَرَكَتْ فِي ذلكَ المعنى كَلَفْظِ أَسَدٍ؛ فَإِنَّهُ لَفْظٌ وَاحِدٌ، وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الحيوانُ المُفْتَرِسُ، وهناكَ أَفْرَادٌ اشْتَرَكَتْ فيهِ. وَوَجَّهَ ابنُ هِشَامٍ في مُغْنِيهِ مَا اخْتَارَهُ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا أنَّ الأصلَ عَدَمُ تَعَدُّدِ الوَضْعِ، وَمِنْهَا أنَّهُ لَيْسَ لَنَا فِعْلٌ يِخْتَلِفُ باعتبارِ ما يُنْسَبُ إليهِ. وَرَدَّهُ الدَّمَامِينِيُّ بِوُرُودِ أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ كذلكَ، على أنَّ العطفَ الذي قالَ بهِ هوَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ بِاعْتِبَارِ ما يُنْسَبُ إليهِ، وَمِنْها غَيْرُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لُغَةً) ، أيْ: حَالَ كَوْنِهَا مُنْدَرِجَةً في الألفاظِ اللُّغَوِيَّةِ، فهوَ حالٌ، لَكِنْ فِيهِ أنَّهُ حَالٌ مِن المبتدأِ. وَيُجَابُ بأنَّهُ جَائِزٌ على رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ، والأصلُ: وَتْفِسيرُ الصلاةِ، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عليهِ حينئذٍ أنَّهُ حَالٌ من المضافِ إليهِ، وهوَ غيرُ جَائِزٍ إِلَّا بِشَرْطِهِ كما يُعْلَمُ منْ قولِ ابنِ مَالِكٍ: ولا تُجِزْ حَالًا من المضافِ لهُ إلخ؛ لِأنَّا نَقُولُ: شَرْطُهُ مُتَحَقِّقٌ، وهوَ كَوْنُ المضافِ يَقْتَضِي العملَ في المضافِ إليهِ لِكَوْنِ المُضَافِ مَصْدَرًا. ومَعْنى اللغةِ في اللغةِ اللَّهْجُ في الكلامِ، أي الإسراعُ فيهِ. وَفِي الاصطلاحِ أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا، يُعَبِّرُ بِهَا كُلُّ قَوْمٍ عَنْ أَغْرَاضِهِم.
(قَوْلُهُ: الدُّعَاءُ) ، قِيلَ بِخَيْرٍ، وَقِيلَ مُطْلَقًا. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الصلاةِ بِمَعْنَى الدعاءِ أنْ لا تَتَعَدَّى في الخيرِ بِعَلَى كالدعاءِ؛ فَإِنَّهُ إذا عُدِّيَ بِعَلَى كانَ لِلْمَضَرَّةِ؛ لأنَّهُ لَا يَلْزَمُ في المُتَرَادِفَيْنِ أنْ يَصِحَّ حُلُولُ أَحَدِهِمَا مَحَلَّ الآخَرِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ فِعْلٍ بِمَعْنَى فِعْلٍ أنْ يَتَعَدَّى تَعْدِيَتَهُ. وَفِي المسألةِ خِلَافٌ عندَ الأُصُولِيِّينَ.
(قَوْلُهُ: والصلاةُ المطلوبةُ إلخ) ، فيهِ إشارةٌ إلى أنَّ جُمْلَةَ الصَّلَاةِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إِنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى، وهوَ المختارُ. وَقَالَ الشَّيْخُ يَاسِينُ: وَجَمَاعَةٌ بِأَنَّهَا خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى؛ نَظَرًا إلى أنَّ المَقْصُودَ التَّعْظِيمُ وَإِظْهَارُ الشَّرَفِ، وذلكَ حاصلٌ بالإخبارِ. والمُرْضِيُّ الأَوَّلُ كَمَا عَلِمْتَ.
(قَوْلُهُ: هيَ رَحْمَتُهُ) ، ظَاهِرُهُ أَنَّهَا أَصْلُ الرحمةِ، وعليهِ فَيُشْكِلُ العطفُ فِي قَوْلِهِ تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} ؛ لأنَّ العطفَ يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ. وَيُجَابُ بأنَّ العطفَ في الآيةِ لِلتَّفْسِيرِ. وبعضُهُمْ فَسَّرَ الصَّلَاةَ بالرحمةِ المَقْرُونَةِ بالتعظيمِ، فيكونُ العطفُ في الآيةِ منْ عَطْفِ العَامِّ على الخاصِّ. وَبُحِثَ فيهِ بأنَّ قَوْلَهُم: المقرونةِ بِالتَّعْظِيمِ، لِخُصُوصِ المَقَامِ النَّبَوِيِّ وليسَ منْ جُمْلَةِ المعنى الموضوعِ لهُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: مَغْفِرَتُهُ) ، وَجَّهَهُ الإِسْنَوِيُّ بأنَّ الرحمةَ رِقَّةٌ في القلبِ، وهيَ مُسْتَحِيلَةٌ في حَقِّهِ تَعَالَى، فَلَا يُنَاسِبُ تَفْسِيرَ الصلاةِ بِهَا بَلْ بالمغفرةِ. وَعليهِ فَالعَطْفُ في الآيةِ مِنْ عَطْفِ المُغَايِرِ، وَإِنَّمَا جُمِعَتْ فيها لِتَعَدُّدِهَا بِعَدَدِ الذنوبِ المغفورةِ، ولا يَخْفَى حُسْنُ الإِحْسَانِ بَعْدَ الغُفْرانِ. والمرادُ بالمغفرةِ بالنسبةِ للأنبياءِ رَفْعُ دَرَجَاتِهِمْ لَا مَحْوَ الذنوبِ لِاسْتِحَالَتِهَا في حَقِّهِمْ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: المغفرةُ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ الذَّنْبِ.