الصفحة 29 من 396

(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: كَرَامَتُهُ) ، أي: التي يُكْرِمُهُمْ بِهَا، وهوَ قريبٌ من الأَوَّلِ كَمَا قَالَهُ الشيخُ الأميرُ، بَلْ وَقَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ باعتبارِ تَفْسِيرِ المَغْفِرَةِ بِرَفْعِ الدرجاتِ. وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ هذا القِيلَ بأنَّ الرحمةَ بِمَعْنَى الرِّقَّةِ في القلبِ مُسْتَحِيلَةٌ، وَالمغفرةَ تُشْعِرُ بالذنبِ، فلا يَلِيقُ تَفْسِيرُ الصلاةِ بذلكَ، بلْ بِالكَرَامَةِ.

(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: ثََنَاؤُهُ عِنْدَ المَلَائِكَةِ) ، أي: ثَنَاؤُهُ تَعَالَى على نَبِيِّهِ عندَ الملائكةِ؛ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ بينهُم.

وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ هذا القِيلَ بأنَّ الرحمةَ بِمَعْنَى الرِّقَّةِ مُسْتَحِيلَةٌ، والمغفرةَ مُوهِمَةٌ لِلذَّنْبِ، والكرامةَ نَوْعٌ من الكمالِ، والنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُفْرِغَتْ عليهِ الكَمَالَاتُ كُلُّهَا، فَالأَنْسَبُ أنْ تُفَسَّرَ بالثناءِ عندَ الملائكةِ. وَرُدَّ بأنَّهُ مَا مِنْ كمالٍ إِلَّا وعندَ اللَّهِ أَعْلَى مِنْهُ.

وهذهِ الأقوالُ لا قُوَّةَ لَهَا.

(قَوْلُهُ: ذَكَرَ هَذِهِ الأَوْجُهَ الشيخُ إلخ) ، كانَ المُنَاسِبُ أنْ يقولَ: هذهِ الأقوالَ، كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ تَعْبِيرُهُ بقولِهِ: (وَقِيلَ كَذَا وَقِيلَ كذا) ، فَهِيَ أقوالٌ لَا احْتِمَالَاتٌ حَتَّى يُعَبَّرَ عَنْهَا بِأَوْجُهٍ. وَأُجِيبُ بأنَّهُ عَبَّرَ بِأَوْجُهٍ إِشَارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الأقوالَ لا يَنْبَغِي جَعْلُهَا أَقْوَالًا لِتَقَارُبِهَا، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي جَعْلُهَا أَوْجُهًا، أَفَادَهُ بَعْضُهُم.

(قَوْلُهُ: وقَرَنَهَا بالسلامِ) ، أيْ: قَرَنَ الصلاةَ بالسلامِ، أيْ عَقَّبَهَا بِهِ؛ لأنَّ مُقَارَنَةَ لَفْظٍ لِآخَرَ ذِكْرُهُ عَقِبَهُ.

وقولُهُ: (خُرُوجًا مِنْ كراهةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عن الآخرِ) ، أيْ: عندَ المتأخِّرِينَ. وَأَمَّا عندَ المُتَقَدِّمِينَ فَلَا يُكْرَهُ الإفرادُ. نَعَمْ، هوَ خِلَافُ الأَوْلَى قَطْعًا. وَمَحَلُّ كَرَاهَتِهِ عندَ المُتَأَخِّرِينَ فِي غَيْرِ الواردِ، وَفِي غيرِ دَاخِلِ الحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، وفيما إِذَا كَانَ مِنَّا. فإِنْ كانَ في صيغةٍ واردةٍ فَلَا كَرَاهَةَ، وكذا لا يُكْرَهُ لداخلِ الحجرةِ الشريفةِ الاقتصارُ على السلامِ فَيَقُولُ بِخُضُوعٍ وَأَدَبٍ: السلامُ عَلَيْكَ يا رسولَ اللَّهِ. وإذا كانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لأنَّهُ حَقُّهُ. وَهَلْ كَرَاهَةُ الإفرادِ خَاصَّةٌ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أوْ جَارِيَةٌ فيهِ وَفِي غَيْرِهِ؟ الأَصَحُّ الثاني، لَكِنَّهَا في غَيْرِ نَبِيِّنَا تَكُونُ خَفِيفَةً.

(قَوْلُهُ: فَقَالَ) ، عَطْفٌ على قَرَنَ.

وقولُهُ: (والسلامُ) ، عَطْفٌ على الصلاةِ.

وقولُهُ: (أي: التَّحِيَّةُ) ، تفسيرٌ للسلامِ. وَلَمْ يَرْتَضِ بَعْضُهُمْ تَفْسِيرَ السلامِ بالأَمَانِ؛ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخَافُ خَوْفَ عذابٍ لِعِصْمَتِهِ، وإنْ كَانَ يَخَافُ خَوْفَ مَهَابَةٍ وَإِجْلَالٍ. وقدْ يُقَالُ: المرادُ الأمانُ مِمَّا يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ؛ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ العذابَ على نَفْسِهِ يَخَافُهُ على أُمَّتِهِ، فَإِنَّهُ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. والمرادُ من التَّحِيَّةِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُسْمِعَهُ تَعَالَى كَلَامَهُ القَدِيمَ الدَّالَّ عَلَى رِفْعَةِ مَقَامِهِ العظيمِ، كما قالَهُ الشيخُ السَّنُوسِيُّ في شَرْحِ الجَزَائِرِيَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت