فهرس الكتاب
(قَوْلُهُ: على نَبِيٍّ) ، أيْ: كَائِنَانِ على نَبِيٍّ، فهوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرٍ عَنْهُمَا، وليسَ مِنْ بابِ التَّنَازُعِ؛ لأنَّهُ لا يَجْرِي في المصادرِ وَلَا في أسماءِ المصادرِ، وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَى نَبِيٍّ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى رَسُولٍ، اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} .
وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ في كلامِ المُصَنِّفِ حَذْفًا، والتقديرُ: على نَبِيٍّ وَرَسُولٍ، كَمَا أنَّ فِي كَلَامِهِ الآتِي، وَهُوَ خَاتَمُ رُسْلِ رَبِّهِ، حَذْفًا، والتقديرُ: خَاتَمُ رُسْلِ رَبِّهِ وَأَنْبِيَائِهِ، فَيَكُونُ فِي كَلَامِهِ احْتِبَاكٌ، وهوَ أنْ يَحْذِفَ مِنْ كُلِّ نَظِيرٍ ما أَثْبَتَهُ في الآخَرِ.
(قَوْلُهُ: دِينُهُ الإِسْلَامُ) ، جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ صِفَةٌ لِنَبِيٍّ، مُخَصِّصَةٌ إِنْ قُلْنَا بأنَّ الإسلامَ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى دِينِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا هوَ الظاهرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ: وهوَ نَبِيُّنَا. وعلى هذا فَقَوْلُ المُصَنِّفِ بَعْدَ ذَلِكَ: (مُحَمَّدٌ) ، بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ. وَإِنْ قُلْنَا بِأنَّ الإسلامَ يُطْلَقُ عَلَى دِينِ غيرِ نَبِيِّنَا أَيْضًا، فَلَيْسَت الجُمْلَةُ صِفَةً مُخَصِّصَةً. وَيَكُونُ قَوْلُ الشارحِ: وهوَ نَبِيُّنَا، أيْ في هذا المقامِ، فَلَا يُنَافِي أنَّهُ يَشْمَلُ غَيْرَ نَبِيِّنَا أَيْضًا. وقولُ المُصَنِّفِ بعدَ ذلكَ: (مُحَمَّدٌ) ، مُخَصِّصٌ لِلنَّبِيِّ المذكورِ. وَمَعْنَى الجملةِ، وهيَ قَوْلُهُ: (دِينُهُ الإِسْلَامُ) : أَحْكَامُهُ التي يَتَدَيَّنُ بِهَا هيَ الأحكامُ المُعَبَّرُ عَنْهَا بالإسلامِ، أو المعنى: طَرِيقَتُهُ التي أَتَى بِهَا هيَ الانقيادُ والخضوعُ لِأُلُوهِيَّتِهِ تَعَالَى. فالدِّينُ إمَّا بِمَعْنَى الأحكامِ المُتَدَيَّنِ بِهَا، والإسلامُ بِمَعْنَى الأحكامِ المُنَقَادِ لَهَا. وإمَّا بِمَعْنَى الطريقةِ، والإسلامُ بِمَعْنَى الانقيادِ والخضوعِ. وعلى هَذَيْنِ الحَلَّيْنِ فَالإِخْبَارُ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ الشَّارِحِ فالإخبارُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لأنَّهُ فَسَّرَ الدينَ بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى من الأحكامِ، ثمَّ فَسَّرَ الإسلامَ بالانقيادِ والخضوعِ لِأُلُوهِيَّتِهِ تَعَالَى، وحينئذٍ فَلَا يَظْهَرُ الحَمْلُ والإخبارُ إلَّا أنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، والتقديرُ: دِينُهُ مُتَعَلِّقُ الإسلامِ، فَيَظْهَرُ الحملُ والإخبارُ بِتَقْدِيرِ هذا المضافِ؛ لأنَّ الإسلامَ بِمَعْنَى الانقيادِ والخضوعِ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْرِ اللامِ، والأحكامُ مُتَعَلِّقٌ بِفَتْحِهَا، فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وهوَ نَبِيُّنَا) ، أيْ: والنَّبِيُّ الذي دِينُهُ الإسلامُ نَبِيُّنَا. وَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ هَذَا يَقْتَضِي أنَّ الإسلامَ لا يُطْلَقُ على دِينِ غيرِ نَبِيِّنَا، وهوَ قَوْلٌ، وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَهُ. وَيُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنَى: وَهُوَ نَبِيُّنَا في هذا المقامِ، فَلَا يُنَافِي أنَّ الإسلامَ يُطْلَقُ على دِينِ غَيْرِ نَبِيِّنَا أيضًا، كما هوَ القولُ الثاني. والحَقُّ أنَّ الخلافَ لَفْظِيٌّ؛ لأنَّ القولَ بأنَّ الإسلامَ مَخْصُوصٌ بهذا الدِّينِ مَنْظُورٌ فيهِ للإسلامِ المُخَصَّصِ، والقولُ بأنَّ الإسلامَ يُطْلَقُ على كُلِّ دِينٍ مَنْظُورٌ فيهِ لِمُطْلَقِ الإسلامِ. أَفَادَهُ المُحَقِّقُ الأَمِيرُ.
(قَوْلُهُ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) ، هذا استدلالٌ على أنَّ دِينَ نَبِيِّنَا هوَ الإسلامُ، وَمَحَلُّ الدليلِ قَوْلُهُ: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} ؛ لأنَّهُ يُعْلَمُ منْ تَسْمِيَتِنَا مُسْلِمِينَ تَسْمِيَةُ دِينِنَا بِالإسْلَامِ. ولو اسْتَدَلَّ بقولِهِ تعالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} لَكَانَ أَوْضَحَ فِي الاسْتِدْلَالِ.
(قَوْلُهُ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ) ، مَنْصُوبٌ على الإِغْرَاءِ، والتقديرُ: الْزَمُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ. وَيُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنَى: وَسَّعَ عَلَيْكُمْ مِلَّتَكُمْ تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أَبِيكُم، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، فَحُذِفَ المُضَافُ وَأُقِيمَ المُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، فَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ. وَلَا يُرَدُّ على الأَوَّلِ أَنَّا مَأْمُورُونَ بِلُزُومِ مِلَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ لَا بِلُزُومِ مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ؛ لأنَّا نَقُولُ: مِلَّةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ هِيَ مِلَّةُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ في الأصولِ وَإِنْ خَالَفَتْهَا فِي بَعْضِ الفُرُوعِ.