الصفحة 31 من 396

وقولُهُ: (إِبْرَاهِيمَ) ، بَدَلٌ مِنْ أَبِيكُم، أوْ عَطْفُ بَيَانٍ.

وقولُهُ: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} ، أَي: اللَّهُ تَعَالَى سَمَّاكُم المُسْلِمِينَ، فالضميرُ عَائِدٌ على اللَّهِ تَعَالى عِنْدَ الأكثرينَ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا قُرِئَ شَاذًّا:"اللَّهُ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ"، وَالمعنى عَلَيْهِ: اللَّهُ سَمَّاكُم المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا، أيْ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ التي أَنْزَلَهَا مِنْ قَبْلِ القرآنِ وَفِي هذا القرآنِ، ولا إِشْكَالَ على هذا. وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الضميرَ رَاجِعًا لِإِبْرَاهِيمَ؛ لأنَّهُ قَالَ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ} ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتُشْكِلَ هذا بِعَطْفِ قَوْلِهِ: (وَفِي هَذَا) ، على قَوْلِهِ: (مِنْ قَبْلُ) ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ تَسْمِيَتَنَا مُسْلِمِينَ وَقَعَتْ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ فِي القُرْآنِ، وهوَ غيرُ صَحِيحٍ؛ إذ القُرْآنُ إِنَّمَا أُنْزِلَ بَعْدَهُ، وَأُجِيبَ بأنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَطْفِ المفرداتِ حتَّى يَلْزَمَ مَا ذُكِرَ، بلْ مِنْ عَطْفِ الجُمَلِ، والكلامُ فيهِ حَذْفٌ، والتقديرُ: هوَ سَمَّاكُم المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَا سَمَّيْتُكُم المُسْلِمِينَ في هذا، فالضميرُ في الجملةِ الأولى لِإِبْرَاهِيمَ، وفي الثانيةِ للَّهِ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ: وَالنَّبِيُّ إلخ) ، شُرُوعٌ في تفسيرِ ألفاظِ المَتْنِ، فَفَسَّرَ لَفْظَ النَّبِيِّ وَلَفْظَ الدِّينِ وَلَفْظَ الإسلامِ. وَلَمَّا فَسَّرَ الإسلامَ احْتَاجَ الأمْرُ لِتَفْسِيرِ الإيمانِ لِمَا سِيَأْتِي مِنْ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَبِالعَكْسِ.

(قَوْلُهُ: إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ) ، اعْتَرَضَ بَعْضُهمْ على التعبيرِ بالإنسانِ حَيْثُ قالَ: والنَّبِيُّ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أُوحِيَ إليهِ بِشَرْعٍ، ثمَّ قَالَ: وَقَوْلُنَا ذَكَرٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ إِنْسَانٌ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اسْتِنْبَاءِ أُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ، ا هـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بأنَّ مَا دَعَاهُ مِن الإجماعِ مَمْنُوعٌ؛ لأنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ إلى عَدَمِ اشتراطِ الذُّكُورةِ في النُّبُوَّةِ، ولذلكَ قِيلَ بِنُبُوَّةِ بَعْضِ النِّسَاءِ كَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَهَاجَرَ وَسَارَةَ، لكنَّ الراجحَ اشْتِرَاطُ الذكورةِ، فَلَمْ تَكُن الأُنْثَى نَبِيَّةً، ولذلكَ قَالَ صَاحِبُ بَدْءِ الأَمَالِي:

وَمَا كَانَتْ نَبِيًّا قَطُّ أُنْثَى * وَلَا عَبْدٌ وَشَخْصٌ ذُو فِعَالِ

أيْ: فِعْلٍ قَبِيحٍ. عَلَى أنَّ الاعتراضَ إِنَّمَا يَتَّجِهُ على أنَّ الإنسانَ يُقَالُ لِلذَّكَرِ والأنثى، لا على أنَّهُ يُقَالُ لِلذَّكَرِ فَقَطْ، وَأَمَّا الأنثى فَيُقَالُ لَهَا إِنْسَانَةٌ كَمَا قَالَ القَائِلُ:

إِنْسَانَةٌ فَتَّانَةٌ ... * بَدْرُ الدُّجَا مِنْهَا خَجِلْ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ) ، أيْ: سَوَاءٌ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أوْ لمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ. فإنْ قِيلَ: قدْ تَعَلَّقَ الإرسالُ بالنَّبِيِّ في قولِهِ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} إلخ، فَيقْتَضِي تَرَادُفُهُمَا لِتَسْلِيطِ الإرسالِ عَلَيْهِمَا مَعًا، ويكونُ العطفُ في الآيةِ مِنْ عَطْفِ المرادفِ، أُجِيبَ بأنَّ المرادَ بالرسولِ في الآيةِ مَنْ أُرْسِلَ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ، والمرادُ بِالنَّبِيِّ فيها نَبِيٌّ مَخْصُوصٌ، وهوَ مَنْ أُرْسِلَ مُقَرَّرُ الشَّرْعِ مِنْ قِبَلِهِ، كَسُلَيْمَانَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا منْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذينَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى، فَإِنَّهُم أُرْسِلُوا لِيُقَرِّروا التوراةَ، والعطفُ حينئذٍ منْ عَطْفِ المُغَايِرِ. وقيلَ: المرادُ واللَّهُ أَعْلَمُ: وَلَا نَبَّأْنَا منْ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ: وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالعُيُونَا، فَيُقَدَّرُ لَهُ عَامِلٌ يُنَاسِبُهُ، ويكونُ منْ عَطْفِ الجُمَلِ. ومعنى الآيةِ عَلَى سَبِيلِ الإجمالِ أنَّ اللَّهَ لم يُرْسِلْ رَسُولًا ولا نَبِيًّا على ما تَقَدَّمَ إِلَّا إذا دَعَا لِأُمَّتِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت