فهرس الكتاب
حَاكَى الشيطانُ صَوْتَهُ وَدَعَا بِأَدْعِيَةٍ لا تَلِيقُ، فَيُزِيلُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشيطانُ، ثمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ، وليسَ المُرَادُ أنَّ الشيطانَ يُلْقِي فِي قِرَاءَةِ الرسولِ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ كما قالَ بذلكَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، واللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحَالِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أُمِرَ بِذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا) ، أيْ فإنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَهُوَ رَسُولٌ كَمَا أنَّهُ نَبِيٌّ.
وقولُهُ: (فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ من الرسولِ) ، أيْ: عُمُومًا مُطْلَقًا؛ لأنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَا عَكْسَ. وبَعْضُهُم جَعَلَ الرسولَ أَعَمَّ من النَّبِيِّ أيضًا، قَالَ: لِأَنَّ الرسولَ يَكُونُ مِن الملائكةِ بِدَلِيلِ: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} . ويُعْلَمُ مِنْ هذا معَ الأَوَّلِ أنَّ بَيْنَهُمَا العمومَ والخُصُوصَ الوَجْهِيَّ، لَكِنَّ الحَقَّ أَنَّ الرسولَ كَالنَّبِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ بَنِي آدَمَ، والمرادُ مِنْ كَوْنِ الملائكةِ رُسُلًا في الآيةِ أَنَّهُم سُفَرَاءُ، أيْ نُوَّابٌ وَوَاسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ رُسُلِهِ.
(قَوْلُهُ: وقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ) ، أي: النَّبِيُّ والرسولُ مُلْتَبِسَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وقولُهُ: (وَهُو مَعْنَى الرَّسُولِ) ، أيْ: وَهُوَ إِنْسَانٌ أُوحِيَ إليهِ بِشَرْعٍ يَعْمَلُ بِهِ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وَيَلْزَمُ على هذا القولِ أنَّ مَنْ أُوحِيَ إليهِ بِشَرْعٍ يَعْمَلُ بهِ ولمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ ليسَ نَبِيًّا وَلَا رَسُولًا، وَلَعَلَّهُ وَلِيٌّ أوْ أَرْقَى مَرْتَبَةً مِن الوَلِيِّ، فَلْيُحَرَّرْ.
(قَوْلُهُ: والنَّبِيءُ بِالهَمْزِ إلخ) ، وَإِنَّمَا نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المَهْمُوزِ بِقَوْلِهِ:"لَا تَقُولُوا: يَا نَبِيءَ اللَّهِ"بِالهَمْزِ؛ لأنَّهُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى الطريدِ، فَخَشِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ابْتِدَاءِ الإسلامِ سَبْقَ هذا المعنى إِلَى بَعْضِ الأذهانِ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ. فَلَمَّا قَوِيَ إِسْلَامُهُمْ وَلَمْ يَخْشَ هذا التَّوَهُّمَ نَسَخَ النَّهْيَ عنهُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنَ النَّبَأِ) ، أيْ مَأْخُوذٌ مِن النَّبَأِ.
وقولُهُ: (أي: الخَبَرُ) ، تَفْسِيرٌ لِلنَّبَأِ، (وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عن اللَّهِ تعالى) ، عِلَّةٌ لِأَخْذِهِ من النَّبَأِ بِمَعْنَى الخبرِ. وَيَصِحُّ قِرَاءَةُ مُخْبَرٌ بِفَتْحِ البَاءِ؛ لأنَّ المَلَكَ يُخْبِرُهُ بِالأَحْكَامِ عن اللَّهِ تَعَالَى، وَبِكَسْرِهَا لأنَّهُ يُخْبِرُنَا بِهَا عن اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كَانَ رَسُولًا، وَيُخْبِرُنَا بِنُبُوَّتِهِ لِيُحْتَرَمَ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَقَطْ، فَهُوَ إمَّا بِمَعْنَى اسْمِ الفاعلِ أو اسمِ المَفْعُولِ.
(قَوْلُهُ: وَبِلَا هَمْزٍ) ، أيْ: لَكِنْ بالتشديدِ. وقولُهُ: (وهوَ الأكثرُ) ، أيْ: عَدَمُ الهَمْزِ أَكْثَرُ من الهَمْزِ.
وقولُهُ: (مِن النَّبْوَةِ) ، أيْ: مأخوذٌ مِن النَّبْوَةِ بِفَتْحِ النونِ وَسُكُونِ الباءِ وَفَتْحِ الواوِ، وَيُحْتَمَلُ أنَّهُ مُخَفَّفُ المَهْمُوزِ.
وقولُهُ: (وهيَ الرِّفْعَةُ) ، اعْتُرِضَ بأنَّ الذي في القاموسِ أَنَّهَا المكانُ المرتفعُ، وَأُجِيبَ بأنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ القاموسِ على التَّسَامُحِ؛ لأنَّ الرِّفْعَةَ يَلْزَمُهَا المكانُ المُرْتَفِعُ غَالِبًا.