الصفحة 34 من 396

والراجحُ أنَّ الإقرارَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَطْ، كالصلاةِ عليهِ وَدَفْنِهِ في مقابرِ المُسْلِمِينَ والإرثِ مِنْهُ وَنَحْوَ ذلكَ. فَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ كانَ مُؤْمِنًا لكنْ لا تَجْرِي عليهِ الأحكامُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُطْلَبْ منهُ النُّطْقُ فَيَمْتَنِعُ، وَإِلَّا كَانَ كَافِرًا جَزْمًا.

(قَوْلُهُ: وَهُمَا وَإِن اخْتَلَفَا مَفْهُومًا فَمَاصَدَقُهُمَا وَاحِدٌ) ، أيْ: والإسلامُ والإيمانُ، وَالحَالُ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا مِنْ جِهَةِ المعنى المفهومِ منْ لَفْظِهِمَا والمدلولِ لَهُمَا مَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ، فالضميرُ العائدُ على الإسلامِ والإيمانِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: (مَاصَدَقُهُمَا وَاحِدٌ) . وَأَمَّا الفَاءُ فَزَائِدَةٌ لِتَزْيِينِ اللفظِ، والواوُ لِلحَالِ، وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ، والمرادُ بالمفهومِ المعنى المفهومُ من اللفظِ والمَدْلُولِ لهُ، وَلَيْسَ المرادُ بهِ المفهومَ ضِدَّ المنطوقِ، والمَاصَدَقُ مُرَكَّبٌ مَزْجِيٌّ، فهوَ بِرَفْعِ القَافِ كَمَا في اللؤلؤةِ عن ابنِ عَبْدِ الحَقِّ، وَيَصِحُّ نَصْبُهُمَا على الحكايةِ منْ مَا صَدَقَ عليهِ. ومعنى هذا اللفظِ الإفرادُ، لَكِنَّ المرادَ مِنْهُ المَحَلُّ كما يُصَرِّحُ بهِ قَوْلُ الشرحِ بَعْدُ. ولا نَعْنِي بِوِحْدَتِهِمَا سِوَى هذا، وذلكَ لِأَنَّ مَاصَدَقَهُمَا بِمَعْنَى أفْرَادِهِمَا مُخْتَلِفٌ؛ إذْ ماصَدَقَاتُ الإسلامِ انْقِيَادَاتٌ، كَانْقِيَادِ زَيْدٍ وَانْقِيَادِ عَمْرٍو وَانْقِيَادِ بَكْرٍ، إلى غيرِ ذلكَ، وما صَدَقَاتُ الإيمانِ تَصْدِيقَاتٌ، كَتَصْدِيقِ زَيْدٍ وَتَصْدِيقِ عَمْرٍو وَتَصْدِيقِ بَكْرٍ، إلى غيرِ ذَلِكَ، لَكِنْ مَحَلُّهُمَا مُتَّحِدٌ، فَكُلُّ مَحَلٍّ للإيمانِ مَحَلٌّ للإسلامِ وبالعكسِ، كما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ، وهذا في الإيمانِ الكاملِ والإسلامِ المُعْتَبَرِ شَرْعًا، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ غَيْرَ مُنْقَادٍ ظَاهِرًا، فَيَكُونُ مُؤْمِنًا لَا مُسْلِمًا، وَقَدْ يَكُونُ مُنْقَادًا ظَاهِرًا غَيْرَ مُصَدِّقٍ بِقَلْبِهِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا لَا مُؤْمِنًا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} .

والحاصلُ أنَّ الإسلامَ والإيمانَ مُخْتَلِفَانِ مَفْهُومًا وإفرادًا، لَكِنْ مُتَّحِدَانِ مَحَلًّا باعتبارِ الإيمانِ الكاملِ والإسلامِ المُنْجِي، وَإِلَّا فَقَدْ يَخْتَلِفَانِ مَحَلًّا أَيْضًا، فَافْهَمْ.

(قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ فِي الشَّرْعِ إلخ) ، تَفْرِيعٌ على اتِّحَادِهِمَا مَاصَدَقًا، لَكِنْ بِمَعْنَى المَحَلِّ لَا بِمَعْنَى الإفرادِ كَمَا عَلِمْتَ.

وقولُهُ: (أَنْ يُحْكَمَ) ، بالبناءِ للمجهولِ، وَنَائِبُ الفاعلِ الجَارُّ والمجرورُ بَعْدُ.

وقولُهُ: (وبالعَكْسِ) ، أيْ: ولا يَصِحُّ أنْ يُحْكَمَ عليهِ بأنَّهُ مُسْلِمٌ وليسَ بِمُؤْمِنٍ، وقدْ عَرَفْتَ أنَّ هذا في الإيمانِ والإسلامِ المُنْجِيَيْنِ الكَامِلَيْنِ.

(قَوْلُهُ: ولا نَعْنِي بِوَحْدَتِهِمَا سِوَى هذا) ، أيْ: ولا نَقْصِدُ ولا نُرِيدُ بِوَحْدَتِهِمَا في المَاصَدَقِ سِوَى هذا، وهوَ الاتِّحادُ فِي المَحَلِّ، فَلَا يُنَافِي أنَّ أفرادَ الإسلامِ انْقِيَادَاتٌ، وأفرادَ الإيمانِ تَصْدِيقَاتٌ، وقدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت