الصفحة 57 من 396

ثَانِيًا لَاحْتُمِلَ أنْ يكونَ مَعْطُوفًا علَى الجارِّ والمجرورِ مَعًا، فَيُفِيدُ أنَّ العلمَ هوَ الأولَى، وهوَ مُنَافٍ لِجَعْلِهِ أَوَّلًا بعضَ الخيرِ. ولكَ أنْ تقولَ لا مُنَافَاةَ؛ لأنَّ كوْنَ الشيءِ أَفْضَلَ علَى الإطلاقِ لا يُنَافِي كَوْنَهُ بَعْضَ الأفضلِ، كَالنَّبِيِّ صَلََّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الخلقِ علَى الإطلاقِ، ومعَ ذلكَ هو بعضُ الأنبياءِ الذينَ همْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِم، فيكونُ بَعْضَ الأفضلِ. أَفَادَهُ في اللؤلؤةِ، لَكِنَّ فيهِ ما تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ: قالَ اللَّهُ تعالَى إلخ) ، هذا استدلالٌ علَى خَيْرِيَّةِ العلمِ وَأَوْلَوِيَّتِهِ؛ لأنَّ الآيةَ الأُولَى فيها مَدْحُ العلماءِ، وَمَدْحُهُم مُتَضَمِّنٌ لِمَدْحِ العلمِ. والآيةُ الثانيةُ دَلَّتْ علَى رَفْعِ العلماءِ دَرَجَاتٍ، وهوَ بِسَبَبِ العلمِ، فَفِيهَا مَدْحٌ للعلمِ ضِمْنًا كالآيةِ الأُولَى. وَأَمَّا الآيةُ الثالثةُ فَفِيهَا أَمْرُ حَبِيبِهِ بِاسْتِزَادَتِهِ من العلمِ، فَلَوْلَا شَرَفُهُ لَمَا أَمَرَهُ بذلِكَ. وجميعُ مَا وَرَدَ في مدْحِ العلماءِ مَحْمُولٌ علَى العلماءِ العَامِلِينَ، وإِلَّا فَغَيْرُ العامِلِينَ مَذْمُومُونَ غَايَةَ الذَّمِّ.

(قَوْلُهُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ) ، بِنَصْبِ الاسمِ الشريفِ وَرَفْعِ العلماءِ كما هوَ القراءةُ المُتَواتِرَةُ، وَقُرِئَ شَاذًّا بِرَفْعِ لفظِ الجلالةِ وَنَصْبِ العلماءِ، وهيَ أَبْلَغُ في مَدْحِ العلماءِ من القراءةِ المتواترةِ؛ لأنَّ المعنَى عليها: إنَّمَا يُعَظِّمُ اللَّهُ منْ عِبَادِهِ العلماءَ، فالمرادُ بالْخَشْيَةِ في حَقِّهِ تَعَالَى التعظيمُ. والمعنَى علَى القراءةِ المتواترةِ: إنَّمَا يَخَافُ اللَّهَ خَوْفًا معَ إجلالٍ منْ عبادِهِ العلماءُ؛ لأنَّهُم أَعْلَمُ باللَّهِ وَبِمَا يَلِيقُ بهِ، ولهذا كانَ أَشَدَّ الناسِ خَوْفًا الأنبياءُ. وَبَعْضُهُم حَمَلَ العلماءَ في هذهِ الآيةِ وَنَحْوِهَا علَى علماءِ الباطِنِ، وهمْ مَنْ أَطْلَعَهُم اللَّهُ علَى مَكْنُونِ غَيْبِهِ بِسَبِبِ تَرْبِيَتِهِم تَحْتَ يَدِ شَيْخٍ عَارِفٍ بِدَسَائِسِ النفسِ.

وَعُلِمَ مِن التفسيرِ المذكورِ أنَّ الخشيةَ علَى القراءةِ المتواترةِ بمعنَى الخوفِ معَ إجلالٍ. قالَ الرَّاغِبُ: الخشيةُ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ، وَأَكْثَرُ ما يكونُ عنْ عِلْمٍ، وقالَ السُّيُوطِيُّ: هيَ أَشَدُّ الخوْفِ.

(قَوْلُهُ: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} ... إلخ) ، جَوَابُ انْشُزُوا، بمعنَى ارْتَفِعُوا مُقَابِلَ تَفَسَّحُوا، وَصَدْرُ الآيةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت