فهرس الكتاب
وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ أُجِيبَ بأنها قُدِّمَتْ في الآيةِ للاهتمامِ بشأنِها؛ لأن شأنَها أن تَشِحَّ بها الأنفسُ؛ لكونِها مأخوذةً لا في نظيرِ شيءٍ, وبَيَّنَت السُّنَّةُ تقديمَ الدَّيْنِ عليها, ويَجِبُ تقديمُ دَيْنِ اللهِ تعالى على دَيْنِ الآدميِّ إذا مات قَبْلَ أدائِهما, وضاقَت التَّرِكَةُ عنهما لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: (( دَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بالقضاءِ ) ). أما قبلَ الموتِ فإن كان محجورًا عليه قُدِّمَ دَيْنُ الآدميِّ جزْمًا, وإلا قُدِّمَ حقُّ اللهِ جزْمًا, ومَحَلُّ هذا التفصيلِ إن لم تَتعلَّق الزكاةُ بالعينِ, وإلا قُدِّمَتْ سواءٌ كان محجورًا عليه أم لا, ولو اجتمَعَ عليه ديونٌ للهِ تعالى فالأوجَهُ كما قالَه السُّبْكِيُّ إنه إن كان النِّصابُ موجودًا قُدِّمَت الزكاةُ, وإلا فالتسويةُ, ومن حقِّ اللهِ إسقاطُ الصلاةِ إذا أَوْصَى به, وهو لكلِّ صلاةٍ نصفُ صاعٍ, ولو الوِترَ عندَ الحنفيَّةِ كما في شرْحِ السراجيَّةِ للسيَّدِ الْجُرْجانيِّ, وإذا كثُرَت الصلاةُ كَفَّت الْحِيلةُ و هي كما ذكَرَه النبتيتيُّ هنا أن يُخْرِجَ الكفارةَ عن صلاةٍ للمسكينِ, ثم يَهَبُها المسكينُ للمتصدِّقِ, ثم يُخرِجُها له عن صلاةٍ أُخرى, وهكذا حتى يَبْرَأ مَن عليه الصلاةُ, وقد نُقِلَ عن الْمُزنيِّ ذلك فيَنبغي أن تُفْعَلَ احتياطًا انتهى ملخَّصًا من اللؤلؤةِ وحاشيةِ الشيخِ الأميرِ.
(قولُه: والرابعُ الوصفيَّةُ إلخ) إنما قُدِّمَتْ على الإرثِ تقديمًا لمصلحةِ الميِّتِ كما في الحياةِ, ولقولِه تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا} وقولُه: بالثلُثِ إلخ كان الأَوْلَى حذْفَ ذلك من هنا؛ لأن التفصيلَ بينَ الإمضاءِ والردِّ لأغراضٍ لا تَخُصُّنا إذ الغرَضُ هنا ذكْرُ الترتيبِ وقولُه: لأجنبيٍّ أي: مَن ليس بوارثٍ وإنْ كان قريبًا مِمَّن لا يرِثُ, وقولُه: فإن كانت بأكثرَ من الثلُثِ أو كانت لوارثٍ وقولُه: ففيها تفصيلٌ إلخ وهو أنه إن كان للميِّتِ وارثٌ خاصٌّ فوصيَّتُه بأكثرَ من الثلُثِ منعقدةٌ, لكن تَتوقَّفُ على إجازةِ الورثةِ بالنِّسبةِ للزائدِ, وإن لم يكنْ له وارثٌ خاصٌّ فوصيَّتُه صحيحةٌ في قدْرِ الثلُثِ باطلةٌ فيما زادَ عليه؛ لأن الحقَّ للمسلمين ولا مُجيزَ ولا تَتخرَّجُ على قولي تفريقِ الصفقةِ فهو مستَثْنًى من القاعدةِ المعروفةِ, وإذا أَوْصى للوارثِ توقَّفَت الوصيَّةُ على إجازةِ باقي الورثةِ ولو كانت بأقلِّ متموِّلٍ.
(قولُه: والخامسُ الإرثُ) المرادُ به تسلُّطُ الوارثِ على التَّرِكَةِ بالتصرُّفِ ليَصِحَّ تَأخُّرُه عما قبلَه, وإلا فالأصحُّ أن الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ انتقالَ التَّرِكَةِ إلى مِلْكِ الوارثِ. انتهى لؤلؤة.
(قولُه: وهو) أي: الإرثُ لا بمعنى التسلُّطِ المذكورِ بل بمعنى الاستحقاقِ, وقولُه: المقصودُ بالذاتِ أي: المقصودُ لذاتِه وأما غيرُه فهو مقصودٌ لغيرِه.
(قولُه: وله أركانٌ) أي: للإرثِ بمعنى الاستحقاقِ أركانٌ لا يَتحقَّقُ إلا بها, فمَن ماتَ ولا وارثَ له أو له وارثٌ ولا مالَ له فلا إرثَ منه, وقولُه: و هي ثلاثةٌ؛ مورِّثٌ إلخ فإذا ماتَ زيدٌ عن ابنِه, وخلَّفَ شيئًا, فزيدٌ مورِّثٌ, وابنه وارِثٌ, والشيءُ الذي خلَّفَه حقٌّ موروثٌ, ولو لم يَصِحَّ بيعُه كالاختصاصِ, ومنه كلْبُ الصيدِ مَثلًا, ولو لم يكنْ مالًا ولا اختصاصًا كالقَصاصِ وحَدِّ القذْفِ.
(قولُه: وله شروطٌ) أي: للإرثِ شروطٌ و هي ثلاثةٌ: تَحقُّقُ موتِ المورِّثِ, أو إلحاقُه بالموتى حكمًا, كما في المفقودِ إذا حَكَمَ القاضي بموتِه, أو تقديرًا كما في الْجَنينِ الذي انفَصَلَ بِجِنايةٍ على أمِّه تُوجِبُ غُرَّةً, وتَحَقُّقُ حياةِ الوارثِ بعدَ موتِ المورِّثِ أو