الصفحة 89 من 396

(قولُه: والمرادُ ولاءُ العِتاقةِ) أي: ولاءٌ سببُه العِتاقةُ بمعنى العِتقِ وليس المرادُ ولاءَ الموالاةِ والمحالَفةِ التي كانت في الجاهليَّةِ, وصورتُها أن يقولَ الرجُلُ لآخَرَ: هَدْمِي هَدْمُك, أي: هَدْمِي بسفْكِ دمي كهَدْمِك بسفْكِ دمِك وسِلْمي سِلْمُك أي: صُلْحِى صُلْحُك وحَربي حربُك, تَرِثُني وأَرِثُك, وتَنْصُرني وأَنْصُرُك, وتَعْقِلُ عنِّي وأَعْقِلُ عنك. فيوافِقُه الآخَرُ ويصيرُ كلٌّ حليفًا للآخَرِ ومواليًا له ووارثًا له, وقد أَبْطَلَ الشرْعُ ذلك.

(قولُه: وهو) أي: اصطلاحًا كما مَرَّتْ الإشارةُ إليه وقولُه: عصوبةٌ أي: ارتباطٌ بين المُعْتِقِ والعَتيقِ كالارتباطِ بينَ الوالدِ وولدِه, ووجْهُ الشبَهِ أن العبْدَ كان في حالِ الرِّقِّ كالمعدومِ؛ لأنه لا يَملِكُ ولا يَتصرَّفُ, فلمَّا أَعتَقَه سيِّدُه صَيَّرَه موجودًا كاملًا لكونِه حينئذٍ يَملِكُ ويَتصرَّفُ كما أن الولدَ كان معدومًا, والأبُ تسبَّبَ في وجودِه فكلٌّ مِن المُعْتِقِ والأبِ تَسبَّبَ في الوجودِ وقولُه: سببُها نعمةُ المعتِقِ على رقيقِه أي: سببُ تلك العصوبةِ إنعامُ المعتِقِ على رقيقِه بالإعتاقِ, لكنَّ التعبيرَ بالعِتقِ فيه قصورٌ؛ لأنه لا يَشمَلُ ما لو وَرِثَ إنسانٌ أصلَه أو فرْعَه فعَتَقَ عليه قَهْرًا فله الولاءُ ومع ذلك لا يقالُ فيه عصوبةٌ سببُها نعمةُ المعتِقِ على رقيقٍ, بل سببُها العِتقُ دونَ الإعتاقِ ولذلك اعترَضَ ابنُ كمالٍ باشا على السيِّدِ الْجُرجانيِّ في تعبيرِه بالمعتِقِ وشَنَّعَ عليه بأنه أفْصَحَ عن قِلَّةِ البِضاعةِ في هذه الصناعةِ, وأُجيبَ بأن ذلك نادرٌ فأُلْحِقَ بالغَالِبِ, والسيِّدُ الشريفُ مقتبِسٌ من حديثِ جَدِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حيث قالَ: (( إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) ). فلا يَستحِقُّ هذا التشنيعَ, وعرَّفَ بعضُهم الولاءَ بأنه صِفةٌ حُكْميَّةٌ تُوجِبُ لموصوفِها حُكْمَ العصوبةِ عندَ عدمِها, وبعضُهم ترَكَ تعريفَه؛ أدَبًا مع النبيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه عَرَّفَه بقولِه: (( الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ, لَا يُبَاعُ, وَلَا يُوهَبُ ) ). قالَ الأُبِّيُّ: هذا منه صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعريفٌ لحقيقتِه شرعًا, ولا يُحَدُّ بأتَمَّ منه اهـ ملخَّصًا من حاشيةِ الأميرِ بزيادةٍ.

(قولُه: لقولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلخ) هذا استدلالٌ على قولِه سببُها نعمةُ المعتِقِ, ووجْهُ الاستدلالِ أن تعليقَ الحكْمِ بالمشتَقِّ يؤذِنُ بعِلِّيةِ ما منه الاشتقاقُ, والموصولُ وصِلتُه في قوَّةِ المشتَقِّ, فكأنه قيلَ: الولاءُ للمعتِقِ لأجلِ إعتاقِه فيُعلَمُ من ذلك أن الإعتاقَ هو سببُ الولاءِ, وقولُه: إنما الولاءُ لمن أعتَقَ أي: لا لغيرِه, لكن يَلحَقُ به مَن تَسبَّبَ في العِتقِ بشراءِ أصلِه أو فرْعِه, ومثلُه الإرثُ كما تَقدَّمَ وقولُه: متَّفَقٌ عليه أي: البخاريُّ ومسلِمٌ, وقولُه: من حديثِ عائشةَ أي: حالَ كونِ ذلك الحديثِ من الأحاديثِ التي روَتْها عائشةُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فحديثُ المضافُ لعائشةَ مفرَدٌ مضافٌ يَعُمُّ.

(قولُه: ويَرِثُ به المعتِقُ) أي: لا العتيقُ قالَ شيخُ الإسلامِ: وإنما كان الإرْثُ بالولاءِ ثابتًا من جانبِ المعتِقِ خاصَّةً؛ لأن الإنعامَ من جهتِه فقط, فاختَصَّ الإرثُ به ا هـ وما وَرَدَ من أنه صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَّثَ عتيقًا من معْتِقِه فضعيفٌ, كما قالَه التِّرمِذيُّ وبفرْضِ صحَّتِه فيُحْمَلُ على إعطائِه مصلحةً لا إرثًا, وقولُه: من حيث كونُه معتِقًا, إنما زادَ هذه الحيثيَّةَ؛ لئلَّا تَرِدَ الصورةُ الآتيةُ وهي ما لو اشترَى ذِمِّيٌّ عبدًا, وأعْتَقَه, ثم التحَقَ بدارِ الحربِ, واستُرِقَّ واشتراه عتيقُه, وأعتَقَه فكلٌّ منهما يَرِثُ الآخَرَ, لكن مِن حيث كونُه معتِقًا, لا من حيث كونِه عتيقًا, ومِثلُ هذه الصورةِ ما لو اشتَرَى عتيقٌ أبا معتِقِه, وأَعتَقَه فإن العتيقَ يَرِثُ من سيِّدِه, كما أن السيِّدَ يرِثُ من عتيقِه, لكن لا من حيث كونُه عتيقًا, بل من حيث كونُه معتِقًا لأبي سيِّدِه, فيَثبُتُ له ولاءُ السِّرايةِ, كما يَثبُتُ لسيِّدِه ولاءُ المباشَرَةِ, وكذلك ما لو اشتَرَى شخصٌ أمَّه فعَتَقَتْ عليه, ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت