الصفحة 93 من 396

وجودٌ لذاتِه, ولا عدَمٌ لذاتِه, فلا يَرِدُ وجودُ الإرثِ عندَ عدمِه لوجودِ السببِ وتحقُّقِ الشروطِ؛ فإنه وإن لزِمَ من عدمِه وجودُ الإرثِ لكن لا لذاتِه, بل لوجودِ السببِ وتحقُّقِ الشروطِ ولا يَرِدُ أيضًا عدَمُ الإرثِ عندَ عدمِه لفقْدِ الشرطِ, كأنْ لم يَتَحَقَّقْ حياةُ الوارثِ بعدَ موتِ المورِّثِ فإنَّه وإن لزِمَ من عدمِه عدَمُ الإرثِ لكن لا لذاتِه, بل لعدَمِ الشرْطِ وفي الحقيقةِ هذا الشرْطُ للتوضيحِ؛ لأن ذلك كلَّه يُعْلَمُ مِن جعْلِ (( مِن ) )للتعليلِ كما تَقدَّمَ التنبيهُ عليه في تعريفِ السببِ.

(قولُه: عكسُ الشرْطِ) أي: خلافُه؛ إذ الشرْطُ ما يَلزَمُ من عدمِه العدَمُ ولا يَلزَمُ من وجودِه وجودٌ, ولا عدَمٌ لذاتِه, وذلك كتحقُّقِ حياةِ الوارثِ بعدَ موتِ المورِّثِ, فإنَّه يَلزَمُ من عدمِه عدَمُ الإرثِ, ولا يَلزَمُ من وجودِه وجودُ الإرثِ؛ لاحتمالِ أن تَتحقَّقَ حياةُ الابنِ بعدَ موتِ أبيه, ولا يَرِثُ لقيامِ المانِعِ به, كالرِّقِّ أو القتْلِ ولا يَلزَمُ من وجودِه عدَمُ الإرثِ لاحتمالِ أن تَتحقَّقَ حياةُ الوارثِ بعدَ موتِ المورِّثِ ولم يوجَدْ مانِعٌ مع توفُّرِ بقيَّةِ الشروطِ, فالشرْطُ إنما يؤثِّرُ بطرَفِ العدَمِ, وقولُنا: لذاتِه. راجعٌ للشقِّ الأوَّلِ وللشقِّ الثاني بطرفَيْه, فالمعنى بالنظَرِ للشقِّ الأوَّلِ ما يَلزَمُ من عدمِه العدَمُ لذاتِه فلا يَرِدُ ما إذا فُقِدَت الطهارةُ وفَقَدَ الشخصُ الماءَ والترابَ فإنَّه يُصلِّي فاقِدَ الطَّهورين, وعليه الإعادةُ, فلم يَلزَمْ من عدَمِ الشرطِ عدَمُ صحَّةِ الصلاةِ, لكن لا لذاتِه بل لوجودِ المرخِّصِ وهو فَقْدُ الطَّهورَيْن, والمعنى بالنظَرِ للشقِّ الثاني بطرَفَيْه ولا يَلزَمُ من وجودِه وجودٌ لذاتِه فلا يَرِدُ ما إذا وُجِدَ الشرْطُ لكن اقتَرَنَ به مانعٌ كأن تَحقَّقَتْ شروطُ الإرثِ لكن مع الرِّقِّ أو القتْلِ فإنَّه وإن لَزِمَ من وجودِ الشرْطِ عدَمُ الإرثِ هنا, لكن لا لذاتِه بل للمانِعِ, ولا يَرِدُ أيضًا ما إذا وُجِدَ الشرْطُ وانتفَت الموانِعُ وتَحقَّقَتْ بقيَّةُ الشروطِ فإنَّه وإن لزِمَ من وجودِه الوجودُ لكن لا لذاتِه بل لتوفُّرِ الشروطِ وانتفاءِ الموانعِ وفيه أنه توضيحٌ كما مَرَّ.

(قولُه: وموانِعُ الإرثِ سِتَّةٌ) وما زادَ عليها فتسميتُه مانعًا تساهُلٌ؛ لأن المرادَ بالمانعِ كما قالَه الرافعيُّ: ما يُجامِعُ السببَ والشرْطَ بخلافِ اللِّعانِ والزنا؛ فإن عدَمَ الإرثِ فيهما لانتفاءِ النَّسَبِ وبخلافِ استبهامِ تاريخِ الموتِ لغَرَقٍ ونحوِه والشكِّ في وجودِ القريبِ وعدَمِ وجودِه كالمفقودِ والحمْلِ؛ فإنَّ عدَمَ الإرثِ فيهما لعدَمِ وجودِ الشرطِ, وهو تحقُّقُ وجودِ الوارثِ عندَ موتِ المورِّثِ, وعدَمُ المتولِّي النبوَّةَ من الموانعِ فإنَّ مِن خصائصِ الأنبياءِ أنهم لا يُوَرَّثُون؛ لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ, مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ) )والتحقيقُ أنها ليست بمانِعٍ؛ لأنَّ شأنَ المانِعِ أنَّ مَن تَعَلَّقَ به لا يَرِثُ ولا يُورَثُ كالرِّقِّ, أو لا يَرِثُ فقط كالقتْلِ, وليس لنا مانِعٌ يَترتَّبُ عليه أنَّ مَن تَعَلَّقَ به لا يُورَثُ فقط كما في الأنبياءِ فإنَّهم يَرِثُون ولا يُورَّثون, والحكمَةُ فيه أن لا يَتمَنَّى قريبُهم موتَهم لأجْلِ الإرثِ فيَهْلِكَ, وأن لا يَظُنَّ بهم الرغبةَ في الدنيا, وأن تكونَ أموالُهم صدقةً بعدَهم؛ تعظيمًا لأجورِهم كما أشارَ إليه في الحديثِ بقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ) )وأما قولُه تعالى حكايةً عن زكريَّا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} فالمرادُ منه وِراثةُ النُّبوَّةِ والعِلْمِ لا وراثَةُ المالِ ا. هـ لؤلؤةٌ بتصرُّفٍ.

(قولُه: على المتفَقِ عليه منها وهو ثلاثةٌ) أي: التي هي الرِّقُّ والقتْلُ واختلافُ الدِّينِ وأما الثلاثةُ الباقيةُ فمختلَفٌ فيها كما سيأتي في الشرْحِ.

(قولُه: فقالَ) عطْفٌ على اقَتَصَر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت