فهرس الكتاب
وقوله (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يؤيد الوجه الثاني (فَيَنْطَلِقُ) أي: محمد إلى ربه للشفاعة، وهذا اللفظ إما من كلام الصديق يحكي به معنى ما سمع، أو من كلامه - صلى الله عليه وسلم - ذكر نفسه على وجه الغيبة تنبيهًا على أنه يوم يغيب عنه فيه نفسه إما هيبة لجلاله تعالى أو لأنه في شأن أمته على خلاف سائر الخلق، فإنهم في شأن أنفسهم كما هو معلوم، ففي الكلام على الوجه الثاني التفات لطيف، وفي بعض النسخ (فَيَنْطَلِقُونَ) أي: الخلق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى النسختين في الكلام إيجاز كثير لا يخفى شأنه (وَقُلْ يُسْمَعْ) أي: قولك، والسماع كناية عن القبول (تُشَفَّعْ) أي: تقبل شفاعتُك، لكن قد جاء أنه يجد له من يَشفع فيهم (قَالَ: فَيَذْهَبُ) أي: بعد أن يرفع رأسه مرة ثانية يريد: وأن يخر ساجدًا مرة ثالثة أيضًا (بِضَبْعَيْهِ) بفتح فسكون، أي: عضديه أو وسطهما (حَتَّى إِنَّهُ) غاية لمقدر مفهوم من المقام، أي: فيؤذن لي في الشفاعة فأشفع، فيكون ما يكون (حَتَّى إِنَّهُ لَيَرِدُ عَلَيَّ) بتشديد الياء، كأنه خلص ما كان فيه من الغمِّ الذي غاب عنه النفس لأجله، فرجع إلى التكلم تنبيهًا على ذلك، ولا يمكن تخفيف الياء، لأن (وَرَدَ) يتعدى إلى الماء بنفسه، قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} >القصص: 23> (ثُمَّ يُقَالُ ادْعُوا الصِّدِّيقِينَ) أي: يقول الله تعالى للملائكة، وتقديم الصّدّيقين على الأنبياء يحتمل أن يكون من الرواة سهوًا، فإن الرواة وإن كانوا ثقات كما في (مجمع الزوائد) ويشهد له الرجوع إلى معرفة حالهم، لكن الثقة غير معصوم من السهو، ويحتمل أن المراد: الصّدّيقون من هذه الأمة، وهم يتقدمون تبعًا، والتقدم تبعًا غير ضار في قدر المتأخر (ادْعُوا الشُّهَدَاءَ) جمع شهيد، أي: الذين قتلوا في الله أو شاهدوا، والمراد قوم بأعيانهم، أو هذه الأمة، لقوله تعالى: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} >البقرة: