الصفحة 4 من 13

وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلَالِ بِهَا تَجُرُّ إِلَى صِفَاتِ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِهَا، وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ.

فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ الْفَنُّ الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ؛ لِتَوَقُّفِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ. (وَأَبْوَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ: أَقْسَامُ الْكَلَامِ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ) ، وَيُذْكَرُ فِيهِ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ، (وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، وَالظَّاهِرُ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالْمُؤَوَّلُ، وَسَيَأْتِي، (وَالأَفْعَالُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَالإِجْمَاعُ وَالأَخْبَارُ وَالْقِيَاسُ، وَالْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ، وَتَرْتِيبُ الأَدِلَّةِ، وَصِفَةُ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي، وَأَحْكَامُ الْمُجْتَهِدِينَ) .

(فَأَمَّا أَقْسَامُ الْكَلَامِ؛ فَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْكَلَامُ اسْمَانِ) ، نَحْوُ: زَيْدٌ قَائِمٌ. (أَو اسْمٌ وَفِعْلٌ) ، نَحْوُ: قَامَ زَيْدٌ. (أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ) ، نَحْوُ: مَا قَامَ. أَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَعُدَّ الضَّمِيرَ فِي قَامَ الرَّاجِعَ إِلَى زَيْدٌ مَثَلًا؛ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدِّهِ كَلِمَةً. (أَو اسْمٌ وَحَرْفٌ) ، وَذَلِكَ فِي النِّدَاءِ؛ نَحْوُ: يَا زَيْدُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى: أَدْعُو أَوْ أُنَادِي زَيْدًا.

(وَالْكَلَامُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ) ، نَحْوُ: قُمْ، وَلَا تَقْعُدْ. (وَخَبَرٍ) ، نَحْوُ: جَاءَ زَيْدٌ. (وَاسْتِخْبَارٍ) وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ، نَحْوُ: هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ أَوْ لَا. (وَيَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى: تَمَنٍّ) ، نَحْوُ: لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ. (وَعَرْضٍ) ، نَحْوُ: أَلَا تَنْزِلُ عِنْدَنَا. (وَقَسَمٍ) ، نَحْوُ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا.

(وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ) يَنْقَسِمُ إِلَى (حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ) .

(فَالْحَقِيقَةُ: مَا بَقِيَ فِي الاسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ، وَقِيلَ: مَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِن الْمُخَاطِبَةِ) ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَى مَوْضُوعِهِ، كَالصَّلَاةِ فِي الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ: الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ، وَالدَّابَّةِ لِذَاتِ الأَرْبَعِ كَالْحِمَارِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ: كُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ.

(وَالْمَجَازُ: مَا تُجُوِّزَ) ؛ أَيْ: تُعُدِّيَ، (بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ) . هَذَا عَلَى الْمَعْنَى الأَوَّلِ لِلْحَقِيقَةِ.

وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ مَا اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِن الْمُخَاطِبَةِ.

(وَالْحَقِيقَةُ: إِمَّا لُغَوِيَّةٌ) ، بِأَنْ وَضَعَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ؛ كَالأَسَدِ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ. (وَإِمَّا شَرْعِيَّةٌ) بِأَنْ وَضَعَهَا الشَّارِعُ؛ كَالصَّلَاةِ لِلْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ. (وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ) ، بِأَنْ وَضَعَهَا أَهْلُ الْعُرْفِ الْعَامِّ؛ كَالدَّابَّةِ لِذَاتِ الأَرْبَعِ كَالْحِمَارِ، وَهِيَ لُغَةً: لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. أَو الْخَاصِّ؛ كَالْفَاعِلِ لِلاسْمِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ النُّحَاةِ.

وهَذَا التَّقْسِيمُ مَاشٍ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِلْحَقِيقَةِ دُونَ الأَوَّلِ الْقَاصِرِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ.

(وَالْمَجَازُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ نَقْلٍ أَو اسْتِعَارَةٍ) .

فَالْمَجَازُ بِالزِّيَادَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سُورَة الشُّورَى: 11] ؛ فَالْكَافُ زَائِدَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ بِمَعْنَى: مِثْلَ؛ فَيَكُونُ لَهُ تَعَالَى مِثْلٌ وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْقَصْدُ بِهَذَا الْكَلَامِ نَفْيُهُ. (وَالْمَجَازُ بِالنُّقْصَانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ) ؛ أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ. وَقُرِّبَ صِدْقُ تَعْرِيفِ الْمَجَازِ عَلَى مَا ذُكِرَ بِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ فِي نَفْيِ الْمِثْلِ، وَسُؤَالُ الْقَرْيَةِ فِي سُؤَالِ أَهْلِهَا.

(وَالْمَجَازُ بِالنَّقْلِ؛ كَالْغَائِطِ فِيمَا يَخْرُجُ مِن الإِنْسَانِ) ، نُقِلَ إِلَيْهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَهِيَ: الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِن الأَرْضِ تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ؛ بِحَيْثُ لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ عُرْفًا إِلَّا الْخَارِجُ.

(وَالْمَجَازُ بِالاسْتِعَارَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ) [سُورَة الْكَهْفِ: 77] ؛ أَيْ: يَسْقُطَ. فَشَبَّهَ مَيْلَهُ إِلَى السُّقُوطِ بِإِرَادَةِ السُّقُوطِ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيِّ دُونَ الْجَمَادِ.

وَالْمَجَازُ الْمَبْنِيُّ عَلَى التَّشْبِيهِ يُسَمَّى اسْتِعَارَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت