(وَالأَمْرُ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ) . فَإِنْ كَانَ الاسْتِدْعَاءُ مِن الْمُسَاوِي سُمِّيَ الْتِمَاسًا، أَوْ مِن الأَعْلَى سُمِّيَ سُؤَالًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ بِأَنْ جَوَّزَ التَّرْكَ؛ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ؛ أَيْ: فِي الْحَقِيقَةِ. (وَصِيغَتُهُ) الدَّالَّةُ علَيْهِ: (افْعَلْ) ، نَحْوُ: اضْرِبْ، وَأَكْرِمْ، وَاشْرَبْ، (وَهِيَ عِنْدَ الإِطْلَاقِ وَالتَّجَرُّدِ عَن الْقَرِينَةِ) الصَّارِفَةِ عَنْ طَلَبِ الْفِعْلِ (تُحْمَلُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الْوُجُوبِ؛ نَحْوُ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [سُورَة الْبَقَرَةِ: 43] ، (إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَو الإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى النَّدْبِ أَو الإِبَاحَةِ. مِثَالُ النَّدْبِ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [سُورَة النُّورِ: 33] ، وَمِثَالُ الإِبَاحَةِ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [سُورَة الْمَائِدَةِ: 2] . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكِتَابَةِ وَالاصْطِيَادِ.
(وَلَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لأَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَتَحَقَّقُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَالأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِمَّا زَادَ عَلَيْها، (إِلَّا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ) ، فَيُعْمَلُ بِهِ؛ كَالأَمْرِ بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَالأمْرِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ. وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَيَسْتَوْعِبُ الْمَأْمُورُ بِالْمَطْلُوبِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ زَمَانِ الْعُمْرِ، حَيْثُ لَا بَيَانَ لأَمَدِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لانْتِفَاءِ مُرَجِّحِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ.
(وَلَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ) ؛ لأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إِيجَادُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِالزَّمَانِ الأَوَّلِ دُونَ الزَّمَانِ الثَّانِي. وَقِيلَ: يَقْتَضِي الْفَوْرَ. وَعَلَى ذَلِكَ بُنِيَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. (وَالأَمْرُ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ، وَبِمَا لَا يَتِمُّ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ؛ كَالأَمْرِ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا) ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ. (وَإِذَا فُعِلَ) بِالبِنَاءِ لِلْمَفْعُول؛ أَي: الْمَأْمُورُ بِهِ، (يَخْرُجُ الْمَأْمُورُ عَن الْعُهْدَةِ) ؛ أَيْ: عُهْدَةِ الأَمْرِ، وَيَتَّصِفُ الْفِعْلُ بِالإِجْزَاءِ.
(الَّذِي يَدْخُلُ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا لَا يَدْخُلُ) : هَذِهِ تَرْجَمَةٌ. (يَدْخُلُ فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُؤْمِنُونَ) ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْكُفَّارِ.
(وَالسَّاهِي وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْخِطَابِ) ؛ لانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ. وَيُؤْمَرُ السَّاهِي بَعْدَ ذَهَابِ السَّهْوِ عَنْهُ بِجَبْرِ خَلَلِ السَّهْوِ؛ كَقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِن الصَّلَاةِ، وَضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ مِن الْمَالِ.
(وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ، وَبِمَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ الإِسْلَامُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن الْكُفَّارِ: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّيِنَ} ) [سُورَة الْمُدَّثِّرِ: 42 - 43] . وَفَائِدَةُ خِطَابِهِمْ بِهَا عِقَابُهُمْ عَلَيْهَا؛ إِذْ لَا تَصِحُّ مِنْهُمْ حَالَ الْكُفْرِ؛ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَلَا يُؤَاخَذُونَ بِهَا بَعْدَ الإِسْلَامِ؛ تَرْغِيبًا فِيهِ.
(وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. وَالنَّهْيُ عَن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ) ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: اسْكُنْ، كَانَ نَاهِيًا عَن التَّحَرُّكِ، أَوْ: لا تَتَحَرَّكْ، كَانَ آمِرًا لَهُ بِالسُّكُونِ.
(وَالنَّهْيُ: اسْتِدْعَاءُ) ؛ أَيْ: طَلَبُ، (التَّرْكِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ) ، عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الأَمْرِ.
(وَيَدُلُّ) النَّهْيُ الْمُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى (فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْعِبَادَاتِ) ، سَوَاءٌ نُهِيَ عَنْهَا لِعَيْنِهَا؛ كَصَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِهَا، أَوْ لأَمْرٍ لَازِمٍ لَهَا؛ كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَفِي الْمُعَامَلَاتِ إِنْ رَجَعَ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ كَمَا فِي بَيْعِ الْحَصَاةِ، أَوْ لأَمْرٍ دَاخِلٍ فِيهِ؛ كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ، أَوْ لأمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ لَازِمٍ لَهُ؛ كَمَا فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُ؛ كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ مَثَلًا، وَكَالْبَيْعِ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْفَسَادِ، خِلَافًا لِمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.