فهرس الكتاب
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتأتَّى تفريعًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ صِفَاتٌ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا أَعْلَامٌ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ لَا يُقْصَدُ مدلولُه الأصلِيُّ مِن مُبَالَغَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْبَسْمَلَةِ قَدْ أُفْرِدَ بالتأليفِ واشْتُهِرَ فَلَا نُطِيلُ بِه لَكِنْ لَا بَأْسَ بِذِكْرِ نُبْذَةٍ تَتَعَلَّقُ بِفَضْلِهَا، باعتبارِ الفنِّ المشروعِ فِيهِ وَهُو عِلْمُ الْحَدِيثِ، أَي: لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ تَرْكَ التَّكَلُّمِ عَلَيْهَا أَصْلًا قُصُورٌ أَو تَقْصِيرٌ, فَإِذَا تَكَلَّمْتَ عَلَيْهَا مِن خُصوصِ الفنِّ المشروعِ فِيهِ فَقَدْ أَتَيْتَ بالحَقَّيْنِ وَشَرِبْتَ مِن الْكَأْسَيْنِ, وَإِلَّا فَقَدْ أَتَيْتَ بِحَقِّ الْبَسْمَلَةِ وَتَرَكْتَ حَقَّ الفنِّ.
فَنَقُولُ: قَدْ جَاءَ فِي فَضْلِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَآثَارٌ شهيرةٌ. مِنْهَا: ما رُويَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( خَيْرُ النَّاسِ وَخَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُعَلِّمُونَ؛ فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا خَلُقَ الدِّينُ جَدَّدوُهُ أَعْطُوهُمْ وَلَا تَسْتَأْجِرُوهُمْ، فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ إِذَا قَالَ لِلصَّبِيِّ: قُلْ: بِسْمِِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَهَا كَتَبَ اللَّهُ بَرَاءَةً لِلصَّبِيِّ وَبَرَاءَةً لِلْمُعَلِّمِ وَبَرَاءَةً لِأَبَوَيْهِ مِن النَّارِ ) ).
وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ"خَلُقَ"بضمِّ اللامِ مِن بَابِ سَهُلَ بِمَعْنَى بَلِيَ وَضَعُفَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ والمِصباحِ. ا هـ.
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّه الْتَقَى شَيْطَانُ الْمُؤْمِنِ وَشَيْطَانُ الْكَافِرِ، فَإِذَا شَيْطَانُ الْكَافِرِ سَمِينٌ دَهِينٌ لَابِسٌ، وَإِذَا شَيْطَانُ الْمُؤْمِنِ مَهْزُولٌ أَشْعَثُ عَارٍ فَقَالَ شَيْطَانُ الْكَافِرِ لشَيْطَانِ الْمُؤْمِنِ: مَا لَكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ؟ فَقَالَ: أنَا مَعَ رَجُلٍ إِذَا أَكَلَ سَمَّى فَأَظَلُّ جَائِعًا، وَإِذَا شَرِبَ سَمَّى فَأَظَلُّ عَطْشَانًا، وَإِذَا دَهَنَ سَمَّى فَأَظَلُّ شَعِثًا، وَإِذَا لَبِسَ سَمَّى فَأَظَلُّ عُرْيَانًا. فَقَالَ شَيْطَانُ الْكَافِرِ: أَنَا مَعَ رَجُلٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتَ؛ فَأَنَا أُشارِكُهُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَدَهْنِهِ وَمَلْبَسِهِ. وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ: شَعِثًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِعْلُهُ شَعِثَ بكسرِها مِن بَابِ تَعِبَ وطَرِبَ بِمَعْنَى تَغَيَّرَ، يُقَالُ: رَجُلٌ شَعِثٌ وَسِخُ الْجَسَدِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمُخْتَارِ.
وَمِنْهَا ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُول: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِسْمِِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ضَجَّتْ جِبَالُ الدُّنْيَا كُلُّهَا حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ دَوِيَّهَا فَقَالُوا: سَحَرَ مُحَمَّدٌ الْجِبَالَ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ دُخَانًا حَتَّى أَظَلَّّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِِ وَسَلَّمَ: (( مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَقْرَؤُهَا إِلَّا سَبَّحَتْ مَعَهُ الْجِبَالُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ ذَلِكَ ) ).
وَقَوْلُهُ: ضَجَّتْ مِن بَابِ ضَرَبَ يُقَالُ ضَجَّ ضَجِيجًا إِذَا فَزِعَ مِن شَيْءٍ أَخَافَهُ فَصَاحَ قَالَه فِي الْمِصْبَاحِ.
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّه قَالَ: (( مَنْ رَفَعَ قِرْطَاسًا مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ بِسْمِِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ إِجْلَالًا لَهُ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ، وَخُفِّفَ عَنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ"."
وَحُكِيَ أَنَّ بِشْرًا الْحَافِي كَانَ مَارًّا فِي الطَّرِيقِ فَرَأَى قِرْطَاسًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ بِسْمِِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ فَطَارَ إِلَيْهِ قَلْبِي وَتَبَلْبَلَ عَلَيْهِ لُبِّي فَتَنَاوَلْتُ المكتوبَ وَقَد رُفِعَ الْحِجَابُ وَظَهَرَ المحجوبُ وَكُنْتُ أَمْلِكُ دِرْهَمَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِمَا طِيبًا وَطَيَّبْتُهُ وحجَبْتُه عَن